الأخبار المحلية » المقالبة » العالم
المترجم الفرنسي لقصص المدينة الحربية
المعارضون سيدركون ايضاً بان الادب الايراني ادب عالمي
8 Mar 2010 الساعة 14:10
المراسل : مينو خانی
وصف كريستف بالايي المترجم الفرنسي للاعمال الادبية الايرانية، الادب الفارسي المعاصر بانه ادب عالمي، ويعتقد بان من يقرأ عدداً من القصص من هذا الادب سيدرك بانه امام ادب حقيقي من حيث الكتابة والاسلوب والفن القصصي. وهو يقول" ان ما يقال عن ايران في الصحافة الفرنسية كذب، كذب صرف، واذا اردنا ان نبدي شيئاً من المرونة فانه يجب القول بانها تقدم صورة خاطئة عن ايران".
(ايبنا): باريس، مينو خاني، مراسلة وكالة انباء الكتاب الايرانية:
عندما اسمع من كريستف بالايي في ضوء هذا القدر الكبير من تعاطيه مع القضايا الثقافية الايرانية فانه وبغية طبع مجموعة "قصص المدينة الحربية" بحاجة الى رؤية "خارجية" ليؤمن بان هذه المجموعة "رائعة" وحصيلة لـ"تجربة شخصية وتاريخية"، فانني افكر ربما نحن ايضاً بحاجة الى رؤية "خارجية" من اجل ان نؤمن بالكثير مما في حوزتنا من اعمال فنية رائعة.
* هذا الحوار ياتي في ضوء ترجمة كتاب" قصص المدينة الحربية" للسيد حبيب احمد زادة. في البداية، حبذا لو اشرتم الى كيفية تعرفكم على اللغة الفارسية واعمالكم في مجال الترجمة من الفارسية للفرنسية.
- في العام الثالث من مرحلة الدكتوراه تعرفت على اللغة الفارسية للمرة الاولى بسبب موضوع اطروحتي. كان موضوع الاطروحة الادب التطبيقي في مجال رواية "الف ليلة وليلة"، التي ترجمت في القرن الثامن عشر من قبل "فرانسوا بتي دلا كروا" للفرنسية ولبعض اللغات الاخرى ايضاً ومن ضمنها العربية والفارسية. العمل في مجال مختلف اللغات جعلني افكر بتعلم احدى اللغات الشرقية وان اتخصص في تلك اللغة. بناء عليه بادرت الى تعلم اللغة الفارسية لمدة ثلاثة اعوام في مؤسسة اللغات الشرقية. وبعد ان دافعت عن اطروحتي وتعلمت الفارسية توفرت لي الفرصة للحصول على زمالة دراسية لعمل بحوثي في ايران لاكتب اطروحة افضل.
في تلك الفترة كانت الثورة الاسلامية قد حدثت لتوها وكانت العلاقات بين ايران وفرنسا جيدة، ومن هذا المنطلق حصلت على زمالة دراسية وتوجهت الى ايران للبحث في الرواية الايرانية وكتابة رسالة في هذا الموضوع. لهذا السبب فانني في بداية الثورة وكذلك بدايات الحرب العراقية الايرانية عشت لمدة اربعة اعوام في جمعية الصداقة الايرانية الفرنسية في طهران. بعد عودتي الى فرنسا وجدت عملاً في "لانغ زو" (تعليم اللغة الفارسية للناطقين بالفرنسية)، ولقد ساعدني تدريس اللغة الفارسية في تقوية اللغة الفارسية لديّ وادركت سريعاً بان النقد الادبي الجاد يجب ان يكون مرتكزاً على اساس الترجمة ولا معنى له دون الترجمة. وعليه بدأت بالترجمة وواصلت ذلك اعواما طويلة. للاسف في تلك الايام لم تكن مكانة ونفوذ الادب الفارسي جيداً جداً في فرنسا بسبب العلاقات بين البلدين والثورة وحرب الاعوام الثمانية وقضايا سياسية اخرى، وهو الامر الذي جعلني عاحزاً عن اقناع الناشرين الفرنسيين لطبع الاعمال التي ترجمتها.
* هل من الممكن ان تذكروا نماذج من هذه الاعمال. اريد ان اعرف من هم الكتّاب الذين كانوا موضع اهتمامكم؟
- ترجمت على سبيل المثال جميع اعمال صمد بهرنغي، اعمال لجلال آل احمد، هوشنغ غلشيري، شهرنوش بارسي بور، ساعدي وصادق هدايت. اصدرت مجموعة قصص قصيرة لصادق هدايت بعنوان "الرجل الذي قتل نفسه" وذلك عندما اصبحت الصورة ايجابية اكثر تجاه ايران في فرنسا وتشجع الناشرون الفرنسيون لاصدار اعمال من الادب الفارسي. للاسف لم يكن هناك اقبال لاعمال بارسي بور وقد يكون السبب في ذلك ضعف العلاقات العامة للناشر. وبالتالي تعرفت على اعمال زويا بيرزاد. لجملة من الاسباب من ضمنها موضوع القصة واسلوب الكتاب القصصية وطراوة القلم وكون الكاتب امراة، فقد لقيت اعمال بيرزاد اقبالاً جيدا. اعتقد ان القراء الفرنسيين كانوا مولعين بان يروا كيف تكتب امراة ايرانية في مجتمعها الراهن، في ضوء الصورة التي رسموها لايران في مجتمعنا.
* اعتقد ان اسلوب بيرزاد اقرب الى اسلوب الكتّاب الفرنسيين الذين لهم جمهور كبير من القراء مثل مارك لوي او آنا غاوالدا الذين يكتبون بسهولة وحميمية...
- ان احد اسباب نجاح بيرزاد، هو انها وفي الوقت ذاته الذي تكتب بعاطفية ومن زاوية شخصية فان لها نظرة عالمية ايضاً. بناء عليه فان ما تكتبه حول المراة الايرانية والازواج الايرانيين والاسرة الايرانية، يكتسب طابعاً دولياً، وان المراة الفرنسية تستطيع ان تفهم بسهولة بان القضايا اليومية للمراة الايرانية هي ذات القضايا لجميع النساء في كل انحاء العالم. كان هذا احد الاسباب المهمة التي جعلت القراء ولاسيما النسوة يقبلون على قراءة اعمال هذه الكاتبة. وبالطبع ينبغي ان اقول بان الرواية الاولى لبيرزاد اي "انا الذي اطفئ الاضواء" قيد الطبع حالياً.
لقد قمت اخيرا ايضاً عبر نفس الناشر بتعريف كاتبة اخرى للقراء الفرنسيين والتي رغم اختلافها الكبير عن بيرزاد الا انها حظيت باقبال جيد من لدن القراء، وهي "فريبا وفي". وبالطبع فان للاثنين نقاطاً مشتركة ايضاً ولكن "فريبا وفي" تختلف من حيث المحيط الاجتماعي وزاوية رؤية النقاد. على اي حال فانني اشعر بالسرور لتقديمي مجموعة من اعمال "فريبا وفي" للقراء الفرنسيين، وتاليا اصل الى حبيب احمد زادة والذي ارسلت احد قصصه التي ترجمتها الى الفرنسية للناشر وقلت له بان هذا العمل يختلف عن جميع الاعمال التي ترجمتها للفرنسية لحد الان، لانها تجربة استثنائية، تجربة شخصية وتاريخية... اي الحرب تجربة تاريخية واجتماعية ومصيرية لبلد ما.
بناء عليه، عندما يكتب احد عن الحرب، فانه بعيد عن تصور الكاتب، ولو انه عبر ايضاً من مرشح ذهن تخيلات الكاتب. وبعبارة اخرى فان حرب حبيب زادة ليست حرب الجميع. من ناحية النقد الادبي يمكن القول بان قصص حبيب زادة هي تجارب جرى تحليلها وتفسيرها بافكاره وعقائده وتبلورت بصورة روايات وقصص. لقد قرات الكثير من قصص الحرب ولكن لماذا اخترت هذه القصص...
* هذا هو نفس السؤال الذي اردت ان اطرحه...
- ان لي في مكتبتي في الجامعة اكثر من 30 كتابا حول الحرب العراقية الايرانية، ولي في المنزل عدد كبير ايضاً. ما اقصده هو انني قرات الكثير عن الحرب، ولكن للمرة الاولى في الكتب التي اصدرتها الدائرة الفنية ومكتب ادب الحرب، رايت كتاباً ادبياً تماماً. يعني انه تجربة انسانية واجتماعية وثقافية وتاريخية وهو في الوقت ذاته قصة. اي الادب بالمعنى المطلق للكلمة. ولهذا السبب فقد قررت ترجمته. في حين انني لم اكن اعرف احمد زادة وتعرفت عليه عبركم. لم اكن اعرف اي شيء حول تجربة حياته وتجربة كتابته. ولكن عندما قرات مجموعة القصص هذه ادركت بانه كاتب بالفعل.
ومن الجدير ان اقول هنا بانني اعتقد منذ اعوام طويلة بان هناك من بين كتّاب الدائرة الفنية او الذين لهم علاقة مع الدائرة في هذا المجال، يتم تقديم كتّاب مرموقين للمجتمع. ومن الصحيح ان مسؤولي الدائرة الفنية منذ البداية وعلى اساس المسؤولية التاريخية والاجتماعية التي عرّفوها لانفسهم بدأوا بتسجيل ذكريات الحرب، ولكنني كنت اعرف باني ساتعرف يوماً ما من بين هؤلاء الكتّاب على عدد من الكتّاب الفنانين. ليس بمعنى ان الاخرين ليسوا كتّاباً او ان اعمالهم ليست ذات قيمة، ولكن معظم اعمال المكتب الادبي تقدم تقارير وهي موثقة للغاية وذات قيمة بالنسبة لعالم الاجتماع او المؤرخ ولكن الادب شيء آخر. على اي حال قررت ترجمة جميع "قصص المدينة الحربية" وبقيت الان قصة واحدة هي "الام" التي كُتبت اخيرا واُرسلت لي، وهي باعتقادي قصة اقوى بكثير من سائر قصص المجموعة، وهو امر طبيعي نظرا لان اسلوب الكاتب اصبح اكثر نضجاً وازدادت خبرته. "الام" قصة قوية جداً من حيث اللغة لان الكاتب اقدم على استعمال اللغة المحلية الدارجة اي لغته الاصلية ذاتها.
* وان هذا الامر يساعد كي يكون للقارئ انسجام اكثر مع راوي القصة...
- بالضبط، لان الادب لا وجود له دون اللغة. الادب اطار تتبلور داخله اللغة، وتبقى حية وتصنع التراث الثقافي. من هنا فان القصة القصيرة "الام" اقوى ايضاً من قصة "انتقام، انتقام، انتقام" حيث نواجه لغة جديدة وهو امر رائع اثّر فيّ كثيراً.
- قوة الكتابة لدى احمد زادة تبرز وتتجلى في هذه القصة. وكذلك في القصة الاخيرة، وهي قصة شعرية في النثر، وبالاجمال فان الكاتب يعرض قدرته من حيث اسلوب الكتابة في عدة مجالات، ولهذا السبب فقد تشجعت كثيراً لانهي ترجمة هذه المجموعة سريعاً كي ابادر الى نشرها. في الوقت الحاضر ارسلت كتاب "ريش الصقر" للناشر الذي طبع لبيرزادة ويريد الان ان يطبع من اعمال "فريبا وفي" ايضا وهو على معرفة بالادب الايراني، وهو بالطبع ينشر اعمالاً في مجال الادب الكوري والبرتغالي والاسباني والفرنسي. وانا هنا في هذا المجال اريد وجهة نظر شخص خارجي، لاني اعتقد بانني اقتربت من قضايا الثقافة الايرانية كثيراً بحيث اشعر احياناً بعدم وجود المسافة التي يجب ان تكون لي مع الموضوع، ولهذا السبب اردت من الناشر ان يبدي رايه.
* اذن ليس من المعلوم متى ستصدر هذه المجموعة وتدخل سوق الاصدارات الفرنسية؟
- ليس بعد، سوق الاصدارات الفرنسية ليست كسوق الاصدارات الايرانية، ففي فرنسا المنافسة قوية جداً وعليّ ان اقوم بنفسي بعمل العلاقات العامة وارسل الكتاب الى بعض الناشرين كي استطيع استقطاب راي احدهم وربما ساستفيد من مهرجان الكتاب والمعرض الذي سيقام اواخر الشهر القادم في باريس واهيئ بعض النسخ من ترجمة احدى قصص هذه المجموعة لتقديمها للناشرين، لاني لن اسمح بان تبقى هذه المجموعة كما الكثير من اعمالي الاخرى في درج منضدتي.
* هذا يبعث على السرور. لو سمحتم، اريد ان اعرف رايكم بصورة عامة ازاء الادب الايراني المعاصر، وهل ان للادب الايراني والفرنسي نقاط اشتراك واختلاف، وفي الاساس هل يمكن طرح مثل هذا السؤال ام لا؟.
- لا؛ هذا السؤال لا ينبغي ان يطرح، لان البعض اخيراً اصبح في الادب المعاصر في ايران يستخدم مصطلح اللغة والادب الايراني بدلاً عن الفارسي...
* لماذا؟ انا ايضاً سمعت كثيراً، اسأل هذا بين قوسين. هذا المصطلح يستخدم كثيراً من قبل الايرانيين ام الفرنسيين؟
- من قبل الايرانيين، وباعتقادي انه يعبر بصورة ما عن الوطنية. لانني اعتقد بان هويتهم اصبحت قوية الى القدر الذي ليسوا مجبرين معه باستعمال مصطلح الفارسي وان مصطلح الايراني كاف لانهم جرى القبول بهم كأمة ايرانية وبالطبع فاني اعتقد بان الثورة في ايران كان لها الكثير من التاثير في ثقافة الايرانيين.
* من اي ناحية تقولون بهذا الامر؟
- لان اي شخص يقرأ عدداً من قصص هذا الادب، سيدرك بانه امام ادب مرموق من حيث الكتابة واسلوب وفن القصة. وبالطبع فان هذا الموضوع مسهب ولا يمكن اختصاره في بعض الجمل. ان النقاش في النقد الادبي الفرنسي وحتى الادب العالمي مطروح كثيراً، والسؤال ما هو الادب العالمي؟ لقد كتبت مقالاً في مجلة "كندوج" الصادرة في جيلان اشرت فيه الى السبب في اهتمام الايرانيين في جيلان بثقافتهم المحلية، وهو ان الايرانيين يضفون الطابع الثقافي على اي موضوع سواء كان محلياً او وطنياً. باعتقادي ان عولمة الادب ليست مصطلحاً صحيحاً، بل الصحيح هو عالمية الادب. هذه المسالة تبلورت في ايران بعد الثورة وبدأ الكتّاب باضفاء الطابع المحلي على الادب؛ فعلى سبيل المثال كتب صفدري ومنيرو ورواني بور حول الجنوب وكثيرون اخرون كتبوا حول الشمال وخراسان. ليس بمعنى ان لا يكون هذا الادب وطنياً. يعني ان الكاتب الجنوبي وصل الى استنتاج وهو انه من الصحيح انني ايراني ولكنني جنوبي ايضاً. اي ان كون الشخص خوزستانياً او كردياً او اذربيجانيا و.... لا يتناقض مع كونه ايرانياً بل هو جزء من تعريف هويته الثقافية. بناء عليه فان الايرانيين متقدمون في هذه الناحية على الكثير من الشعوب الاخرى لان كون الشخص كردياً او اذربيجانياً او جنوبيا لا يتنافى مع كونه ايرانياً، والكاتب لا يشعر بالخشية من ذلك. بعد الثورة في ايران قال الكثيرون بان ايران ستتجزأ ولكني لم ولن اؤمن بذلك ابداً وفي الاساس ليس من الممكن ان يحدث ذلك اطلاقاً لان المحلية تعني الايرانية وان العالمية هي في الايرانية.
* هذه هي نفس النقطة المطروحة مثلاً في السينما بشان كوروسافا، ويرى النقاد والمعنيون بشؤون السينما بان احد الاسباب التي تؤدي الى عالمية اعماله هو في محليتها الى حد بعيد، وبعبارة اخرى فان العالمية تمر من المحلية.
- في الحقيقة – وليس قصدي ان آخذ اشكالية على قصص حبيب - هي كذلك. كان بامكانه ان يولي اهمية اكبر للهجة المحلية وشخصيات قصصه وان يجعلها ذات طابع اكثر جنوبياً لان حبيب جنوبي وحارب في الجنوب. وهو بالطبع وصل الى هذا المستوى في قصة "الام" ولكن هنالك مسافة تفصله عن المحلية في سائر قصصه. لا اعرف السبب ولكن ربما لم يجرؤ على ان يجعلها محلية تماماً. لذا فلا يشم من جميع قصص هذه المجموعة رائحة الجنوب.
* ربما خشي من حدوث خلل في الارتباط مع القارئ! لان قراءة القصة باللهجة المحلية تخل بسرعة القراءة .
- لا. ليست المسالة هي اللهجة فقط. اذ ان خصائص الشخصيات مطروحة ايضا، وان احمد زادة يبرز في قصة "ننه" او الام هذا الاختلاف وبالطبع قدرته على الكتابة.
* وادب الحرب...؟
- ادب الحرب هو جزء من هذا الادب الذي يمكن الحديث عنه بكلام اكثر تحديداً. لان ادب الحرب كما اشرت الى ذلك آنفاً متنوع، فمثلاً جزء من ذلك اعمال كمؤلفات حبيب احمد زادة، البعض الاخر من النصوص المطروحة بعنوان ادب الحرب في ايران هي الان في الطريق وربما ستصل الى مكانة مرموقة يوماً ما، ولكنها في الوقت الحاضر في مستوى وثائق وادب وثائقي فقط. بناء على ذلك يتطلب الامر وقتاً لتمحيص هذا الجزء من ادب الحرب وان نكون امام مجموعة يمكننا القول باننا نتحدث عن ادب الحرب بالمعنى الحقيقي للكلمة. وبطبيعة الحال فانني اشعر بالسرور لتعرفي على قصص احمد زادة وآمل بان تطبع هذه المجموعة قريباً في فرنسا، لانه بالتالي لا بد من المواد اللازمة لانشاء بناء ما. نصوص اخرى قراتها، اعمال مثل كتاب "دا" (الام باللغة الكردية) ولو انه وثائقي لكنه ذو نكهة اخرى، نسمع فيه صوت امراة...
* وشعرتم بانكم تقرأون قصة ام ذكريات في الغالب؟
- من المؤكد ان لها طابعاً قصصياً. لماذا؟ لان هذه هي احدى خصائص المجتمع والثقافة الايرانية والادب الايراني. كتابة القصة في ايران فن وطني موجود منذ عهد الاخمينيين، وان الايرانيين كانوا على الدوام يتعاطون مع القصة. فالقصة بالنسبة للايرانيين هي نوع من البيان، اذ انهم عندما يريدون تبيان شيء ما فانهم يكتبون او يروون القصة. فمثنوي معنوي ليس سوى مفاهيم في اطار القصة، وربما لا يكون ديوان حافظ راويا للقصص كثيراً ولكن بقية الاعمال الشعرية الايرانية مليئة بالقصص؛ والسبب في ذلك يجب البحث عنه فيما يتعلق بعلم الانثربولوجيا او الاجناس للايرانيين. تجربتي مع الايرانيين تشير الى انهم عندما يصلون الى طريق مسدود في تبيان شيء ما ولا يعرفون كيف يعبّرون عن قصدهم فانهم يسردون القصة. انني اسمع من الايرانيين دوماً عبارات مثل "انني سمعت بان..." و"اريد ان اوضح لكم بان..." وغير ذلك من العبارات التي يضفون بها الطابع القصصي على بيانهم. هذه الخصلة من علم الاجناس تركت تاثيرا كبيرا في الادب الايراني، ولهذا السبب فانه في كتاب "دا" تستفيد الراوية والكاتبة الايرانية من هذه الخصلة.
* وتعتقدون بان هذا الشعور من راوية القصة ليست موجودة لدى الشعب الفرنسي؟
- موجودة ولكن بصورة اقل. لدينا في فرنسا كتّاب قصة كبار، ولكن عندما نتحدث او نناقش في التلفزيون ووسائل الاعلام نتكلم دون ان نضفي الطابع القصصي على ما نقصده. نحن يمكننا ان نتحدث ساعات بطابع كلامي ووثائقي او نظري مائة في المائة، والفرنسيون معروفون بالتنظير. ومن هنا تنفصل القصة عن النقاشات، اما هنا في ايران، سواء على مستوى عامة الناس او على المستوى التخصصي وحتى الجامعي، لا تنفصل القصة عن كلام الناس. انني وفي الكثير من الاحيان سمعت القصة في المؤتمرات والجامعات والاجتماعات الجدية.
لرواية وسرد القصة طابعاً لطيفاً. لماذا؟ لان القصة مترافقة مع الصورة والفن يبنى بالصورة. وهو امر ضروري جدا في حياة الانسان، وانني بصفتي على معرفة بمختلف فنون الفن، اعتقد بان الصورة جزء من حياة البشر ولاسيما الايرانيين. وانني دون الصورة اشعر بالعجز كثيراً، ولهذا السبب عندما تعلمت الفارسية ودخلت مجال الترجمة، شعرت بالاستئناس والقرب من الثقافة والادب الايراني لانهما مفعمان بالقصة، وهو الامر الذي جعلني اعثر على النقطة المشتركة بيني وبين الادب الفارسي، وهذه النقطة المشتركة ساعدتني كثيراً.
اعتقد انه لو اراد الادب بمعناه الحقيقي ان يستمر في موضوع الحرب، فعلى المعنيين في الدائرة الفنية ومختلف المؤسسات ايلاء اهتمام اكبر لذلك، وان يشجعوا الفنانين الايرانيين للاستفادة من الوثائق المتوفرة والذكريات المنشورة وان يضفوا عليها الطابع الفني. ادب الحرب هو بمثابة المحيط الكبير الذي بالامكان العثور فيه على عدة لالئ جيدة، اي عدة كتب واعمال ادبية فريدة من نوعها.
* احدى مسؤولياتكم هي رئاسة قسم اللغة والادب الفارسي في جامعة اينالكو في باريس. ما مدى اقبال الطلبة على اللغة الفارسية؟
- منذ ان بدات العمل في هذه الجامعة، الاقبال ثابت على هذه اللغة. انني ومنذ 25 عاماً ادرّس في هذه الجامعة ويسجل كل عام ما بين 40 الى 50 طالباً، يبقى منهم حتى العام الثالث من الجامعة نحو 10 او 15 طالباً، وفي الاساس فان هذا العدد لهم الاهتمام الحقيقي بالادب، اذ ان الادب الايراني غني الى الحد الذي لا يستطيعون معه عدم الاهتمام به. وباعتقادي ان ذلك العدد من الطلبة الجامعيين الذين يواصلون دراساتهم حتى مرحلة الماجستير انما يبقون للثراء الذي يتمتع به الادب الفارسي. وبالطبع فقد سعينا لدعم الذين يريدون مواصلة الدراسة في العلاقات الدولية او الصحافة الايرانية ولكننا لم نستطع.
* ما هي المشاكل التي تعانون منها؟
- لاحظي! ان الاساتذة في هذا القسم ليسوا اكثر من 3 او 4 وليس بامكاننا ايجاد تخصصات مختلفة مثل الصحافة الايرانية او العلاقات الدولية في فرع الادب الفارسي. ولهذا السبب نوظف كل طاقتنا للادب الفارسي. مثلما قلت فانه من بين نحو 50 طالباً يسجلون اسماءهم للعام الاول من الجامعة ربما يواصل 10 طلاب فقط دراساتهم حتى مرحلة الماجستير، وهذا العدد ليس لافتاً كثيراً بما يمكننا من ايجاد فرع مستقل للتخصصات الاخرى. فلا الفرصة متوفرة ولا العدد الكافي من الطلبة الجامعيين ولا امكانية توظيف استاذ لثلاثة او اربعة طلبة. وبناء عليه فاننا نركز طاقتنا على الطلبة الذين لهم الرغبة في الادب الفارسي، وانا شخصياً اعتقد انه بعد 7 او 8 سنوات اخرى عندما يحين موعد تقاعدي، عندها ساصرف كل طاقتي للترجمة والتعريف بالادب الايراني المعاصر، لان الفرنسيين بحاجة الى معرفة المجتمع الايراني اليوم.
* لماذا هم بحاجة الى ذلك؟
- لانهم لا يعرفون المجتمع الايراني جيداً وان ما يقال عن ايران في الصحافة الفرنسية هو مجرد اكاذيب، محض اكاذيب، واذا اردنا ان نبدي شيئاً من المرونة اقول بانهم يعكسون صورة خاطئة عن ايران. الراي العام لا يمكنه معرفة ايران اليوم من خلال الصحافة الفرنسية المقروءة او الصورة المرسومة حول ايران. ولكن الادب المعاصر ومن ضمنه ادب الحرب يمكنه المساعدة كثيراً في هذا المجال، ولو استطعنا التعريف بصورة صحيحة عن هذا الادب في سوق الاصدارات الفرنسية نكون قد قدمنا خدمة كبيرة ليفهم الفرنسيون بان الايرانيين حاربوا سنوات طويلة للدفاع عن انفسهم، بل انهم قالوا في السنة الاولى للحرب، وهم لم يكونوا يعرفون اساساً انها ستستمر ثماني سنوات، باننا الان نمر بتجربة تاريخية، مصيرية ويجب ان نكتب ذلك. لماذا؟ لان الايرانيين عندما يجريون شيئاً ما فانهم يضفون عليه الطابع الفني والجميل.
* أي انهم يعطون الشعور الجميل حتى لحربهم...
- نعم. ان الايرانيين يمنحون موضوعاً دموياً ورهيباً كالحرب شعوراً جميلاً وفنياً. الجميل برأيي يعني المنسق، يعني ان يكون شكله متكاملاً. هذا التوجه الذي لدى الايرانيين لتكامل الشكل الذي يحملونه من القدم حتى الان هو امر استثنائي. لذا فهذا هو الوجه الاخر لعلم الاجناس الايرانية، وعلى الفرنسيين ان يدركوا ذلك. بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى مضى قرن من الزمن لكي نكتب عنها ولننظر اليها من المنظار الثقافي. السيد ادوان روزو الاستاذ في جامعة باريس ومنذ اعوام طويلة عندما كنت رئيساً للرابطة الفرنسية للدراسات الايرانية في ايران، قدم في مؤتمر مقالة واجرى مقارنة في الجمال. انني مندهش كيف بدأ الايرانيون الكتابة عن حربهم في عامها الاول اما بالنسبة لنا استغرق الامر اعواماً طويلة لكي نتمكن من اضفاء الجانب الثقافي على الحرب العالمية الاولى، ولكن الايرانيين ادركوا ذلك من البداية لان الثقافة بالنسبة للايرانيين هي الحياة بعينها، اي ان السياسة ثقافية والاقتصاد ثقافي، وهذه هي المؤشرات التي ينبغي للفرنسيين ان يعرفوها، وان امثالي في المجتمع الفرنسي لهم الكثير من الانشطة كي يتمكنوا من معرفة المجتمع الايراني. ان ما اعتبره عملاً معقولاً في الوقت الحاضر هو التعريف بايران عبر الادب المعاصر للفرنسيين.
فعلى سبيل المثال، في اللقاءات والطاولات التلفزيونية المستديرة او الصحفية لا احضر ولا اتحدث عن ايران لانهم لا يسمحون لي في الاساس بالتحدث عن معتقداتي التي هي حصيلة لتجربة وثيقة وحياتية في ايران؛ لانهم يضفون على النقاشات طابعاً سياسياً على وجه السرعة.
على اي حال، اعتقد اننا نحن الفرنسيون لا معرفة لنا حول الكثير من قضايا ايران؛ الاولى ظاهرة الثورة، الثانية ظاهرة الحرب التي ينبغي معرفتها جيداً لكي يكون بالامكان مثلاً تحليل القضايا الاخيرة والانتخابات في ايران. ان هذا التيار الاجتماعي الذي رايته وعرفته في ايران لا يمكن ادراكه من قبل فرنسي ليست لديه المعرفة الكافية تجاه الثورة والحرب، لان الكثير من القضايا الموجودة الان في ايران لها جذور في الثورة والحرب.
اراد الكثيرون بعد نهاية الحرب ايجاد ظروف لنسيان الحرب، وبالطبع فان المبادرة التي قام بها افراد مثل السيد كمري وسرهنكي واحمد زادة كان الغرض منها ان لا ينسى احد الحرب. قالوا نحن الايرانيون لن ننسى، وعلى العالم ايضاً الا ينسى. بناء عليه، اذا اردنا معرفة هذه التيارات من الخارج، فانه يجب ان نرى هذه التجربة حية. في الصحافة الفرنسية، لا احد يشير الى الحرب والثورة عندما يتحدثون عن ايران، هاتان الظاهرتان لا يمكن نسيانهما خلال عقد او عقدين من الزمن، انهما بمثابة البركان.
* في الحقيقة، انتم ترون هذه الاحداث كمؤشر للوحدة ام ...
- بالضبط. انني لا انظر الى هذه القضية من الناحية الدعائية. الحرب التي مرت بها ايران هي قضية حيوية، لذا فان الانشطة التي يقومون بها في الدائرة الفنية وسيدرك الايرانيون المعارضون ايضا هذا الامر، تتمثل بانه الى اي مدى كانت الحرب حيوية ومصيرية، وبالطبع فان ما انجز في مجال فن وادب الحرب لو انجز في مجال الثورة لاصبحت الكثير من القضايا اليوم اكثر وضوحاً.