نظرة الی وضع معارض الكتب في الشرق الأوسط اقامة ناجحة لمعرض طهران الدولي الرابع والعشرين للكتاب
رغم أن دراسة المجالات السياسية والثقافية وحتی الاقتصادية والاجتماعية في العالم الحاضر تتطلب التركيز الخاص علی أية من المجالات المذكورة أعلاه بشكل منفصل بسبب كثرة العناصر الموجودة فيها بيد أنه وفي نظرة أخری توجد أواصر قوية بين كل هذه المجالات تؤثر احداهما علي الاخري. (ايبنا): من الجلي بأن "معرض الكتاب" هو أكبر حدث ثقافي يقام في بلدان العالم ولها أنواع دولية معتبرة وغير معتبرة واقليمية وداخلية. بغض النظر عن المعارض الدولية الشهيرة مثل معارض "فرانكفورت" و"لندن" ومعارض معتبرة في قارات العالم، نحدد الموضوع في منطقة "الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" ونلقي الضوء علی تأثير التوترات السياسية الحالية في المنطقة علی الوضع الثقافي وتجسيدها في أكبر الأحداث الثقافية أي "معارض الكتب". ونتابع الموضوع من معرض دار البيضاء لنصل الي معرض طهران للكتاب الذي انتهت فعالياته يوم امس (السبت 14 ايار).
اول معرض كتاب اقيم في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا في السنة الميلادية الجديدة (2011) كان معرض دار البيضاء الدولي للنشر والكتاب الذي انتظم برعاية وزارة الثقافة المغربية في الفترة من 11 الی 20 فبراير. ووفق الأخبار والتقارير التي بثت آنذاك، كانت المغرب متأثرة بأحداث ثورة الياسمين التي اندلعت في البلد المحاذي لها (تونس).
فتأثرت الساحة السياسية المغربية بثورة الكرامة في تونس وأثرت في الساحة الثقافية وتجسد هذا التأثير في فشل المغرب لإقامة معرض الكتاب بالصورة المتوقعة. فقاطع المعرض العديد من الكتـاب المغاربة المنتسبين لاتحاد كتاب المغرب والمراكز والجمعيات الثقافية والأدبية الأخری كما شهد المعرض غياب العديد من الأسماء الثقافية العربية في البرامج الثقافية المخططة له. وتم الغاء عدد من الندوات والإجتماعات وكل ذلك كان ذا تأثير سلبي علی بيع كتب الناشر المغربي أولاً والناشر العربي ثانياً.
اما الانتكاسة الكبری التي شهدتها الساحة الثقافية في المنطقة وقعت جراء إلغاء معرض القاهرة الدولي للنشر والكتاب في دورته الثالثة والأربعين والتي كان من المقرر انطلاقها في التاسع والعشرين من يناير الماضي بحضور الرئيس المخلوع حسنی مبارك. وهو المعرض الذي يعتمد عليه العديد من دور النشر العربية في تسويق الكتاب، نظرا لعدد الزوار العرب المتوافدين عليه، ولأنشطته الثقافية الهامة. وفي ظل التطورات السياسية المصرية تراجعت حركة النشر وبيع وشراء الكتاب كما تزايد الاقبال العام علی الكتب السياسية والاقتصادية وعلم الإجتماع السياسي واهتم الناشرون بها، فضلاً عن الكتب المحظورة سابقاً في تونس ومصر.
إلغاء معرض القاهرة الدولي للكتاب أتى بتأثيرات كبيرة على زوار معرض الرياض الدولي للكتاب، الذي انطلق اليوم الأول من مارس/آذار إذ بدا أن دور النشر العربية التي منيت بخسائر مادية أثر الغاء معرض القاهرة تنظر إلى معرض الرياض كمعرض تعويضي من خلال ارتفاع أسعار الكتب.
ورغم مشاركة حوالي 700 دار نشر من أكثر من 30 دولة وفي الوقت الذي أعلن وزير الثقافة والإعلام السعودي، عن تخصيص مساحة مهمة وتنظيم متميز للأندية الأدبية والثقافية بالسعودية في معرض الرياض، اكدت مجموعة من المثقفين السعوديين، المنتسبين إلى بعض تلك الأندية، علي مقاطعتهم لأنشطة المعرض وفعالياته كما حدثت خلال المعرض بعض أعمال فوضوية ومضايقة الزوار والناشرين وحدثت خلافات بين شريحة من المجتمع السعودي مع بعض الإعلاميين والآخرين في معرض الرياض.
اما معرض ابوظبي الدولي للكتاب في دورته الحادية والعشرين انطلق في مناخ مختلف قليلاً عن نظرائه في البلدان العربية حيث لم نكن نشاهد آنذاك فعاليات سياسية احتجاجية علی ارض الإمارة وتحكي انجازات المعرض عن الموفقية النسبية له في ظل الظروف السياسية الهادئة السائدة فيها.
وشاهدنا هناك مشاركة حوالي 875 دار نشر من 58 دولة عربية وأجنبية وحضور كوريا الجنوبية الخاص كما اتاح المعرض الفرصة لبعض الكتـاب منهم الإيرانيين أن يوقعوا عقوداً في مجال النشر والترجمة مع دور نشر عربية. لكن معرض ابوظبي ايضاً لم يبق آمناً من موجة الإحتجاجات العربية وكما كان الشأن مع معرض الرياض فإن العديد من المثقفين الإماراتيين وغير الإماراتيين تداولوا قبيل اقامة المعرض وعبر الإنترنت مسألة المشاركة أو عدم المشاركة ومقاطعة معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي يعد حسب الناشرين سوقا عربيا كبيرا للكتاب.
أما انعدام الاقبال المرجو علی معرض بغداد الدولي الاول للكتاب امر لا يمكن ربطه بالنشاطات الثورية علی الأرض العربية وتأثر العراق بموجات هذه الفعاليات، بل للعراق ملف سياسي خاص يميزه عن البلدان العربية الأخری ويضم التطورات السياسية العراقية بعد سقوط نظام البعث و مناخ سياسي متوتر ناتج عن الوجود العسكري الاميركي والبريطاني علی أرض العراق وبالتالي تأسيس الحكومة العراقية الجديدة والقضايا المتعلقة بها. وكان المعرض الذي انعقد في بغداد في الفترة من 20 نيسان الی 5 ايار أول معرض كتاب دولي في العراق الجديد.
و أبطل معرض بغداد الدولي الأول للكتاب هذه الرؤية المنتشرة في العالم العربي اذ يقول "الكتاب يؤلف في مصر ويطبع في لبنان ويقرأ في العراق" وذلك بسبب عدم اقبال الشعب العراقي علی المعرض. وذلك المعرض الذي كان "بمثابة اللبنة الاولى في مجال مد جسور التواصل والتلاقح الفكري ما بين الكتاب العراقي و دول العالم" لم يتمكن من اداء مهمته بالصورة المطلوبة منه في نسخته الأولی.
وأما معرض طهران الدولي للكتاب في نسخته الرابعة والعشرين انطلق 4 ايار بحضور رئيس الجمهورية الاسلامية الايرانية يعتبر احد أهم معارض كتاب المنطقة - وهو غير عربي بجانب معرض كتاب تركيا- بين معارض البلدان العربية في الشرق الأوسط. واقيم المعرض بمشاركة 2300 دار نشر ايرانيه و1600 غير ايرانية من 67 بلداً في العالم ومن بينهم الحضور العربي في اطار حوالي 70 جناحاً وعرض اصدارات أكثر من مائة دار عربية للنشر.
وبغض النظر عن بعض الخلافات السياسية الداخلية في ايران في السنوات الأخيرة – وهي شؤون داخلية يمكن حدوثها في أي بلد- تعيش ايران هذه الأيام في جو سياسي هاديء بالنسبة الی السنتين الماضيتين كما أن الشعب الإيراني والحكومة الإيرانية يشيدون بالحركات الشعبية في العالم العربي في بناء حكومات ديمقراطية. وهذا المناخ السياسي الهاديء في بلد من بلدان الشرق الأوسط – بالنسبة الی الأوضاع السياسية المتوترة في البلدان الأخری من المنطقة ـ وفر ارضية مناسبة لاقامة ملتقی ثقافي في اطار معرض الكتاب في ايران.
وشاهدنا خلال الأيام الماضية اقبالاً كبيراً للجمهور الايراني ومن مختلف الشرائح، من العاصمة (طهران) والمحافظات الأخری علی معرض الكتاب بحيث ان أكثر من 5 ملايين زائر تفقدوا معرض طهران الدولي الرابع والعشرين. وبجانب الناشرين الايرانيين الذين استقبلوا الرواد ومخاطبي الكتب الفارسية، عرض الناشرون غير الايرانيون اصداراتهم لشرائح مختلفة من المجتمع الإيراني من الطلاب والباحثين وأساتذة الجامعات والمراكز الدراسية والبحثية و... . ووظف الناشرون العرب فرصة مشاركتهم في معرض طهران ليعرفوا اصداراتهم للإخوة اهل السنة والشيعة من طلاب المدارس الدينية وطلاب الجامعات والأساتذة والمراكز الدراسية والبحثية والتعليمية و... .
وبالتالي نحن في انتظار قيام وكالات الأنباء والاعلام ببث تقارير تطلعنا عما اذا استطاع معرض طهران الدولي الرابع والعشرين للكتاب أن يسد انتكاسة أسواق الكتاب والمعارض في ظل الظروف السائدة علی منطقة الشرق الأوسط وخاصة سوق الكتاب العربي!؟ رمز العنوان : 104857 |