إطلالة علی رواية "الجزيرة" عالم بين الواقع والخيال
أحداث رواية "الجزيرة" للکاتب الإيراني داريوش عابدي تمر بفضاء مزدوج، فمن جهة نلمس ملامح حياة بسيطة علی الشاطيء، ومن جهة أخری يتضح لنا معالم فضاء سحري مستلهم من قصص القراصنة. ذکرت وکالة أنباء الکتاب الإيرانية "إيبنا" أن "الجزيرة" تأتي ضمن روايات تصدرها دار نشر مرکز التنمية الفکرية للأطفال واليافعين في إطار مشروع "رواية اليافع المعاصر".
"الجزيرة" تتحدث عن حياة سکّان الشواطيء، نشاهد فيها أحياناً أجواءاً سحرية تطغی علی قصص القراصنة. ثم أن إعتماد الأسر القاطنة في الجزيرة بإصطياد الأسماک، وبيع البضائع للسياح وتحول الفضاء التقليدي لهذه المنطقة مع مرور الزمن تشکّل ملامح النظرة الموضوعية التي ينتهجها الکاتب "عابدی" في قصته. لکنّه لا يحافظ علی هذا التوجه خلال القصة کلها، بل يقزّمه بإظهار معالم من الأسطورة والسحرية في بعض أجزاء الرواية، وبهذا يمس النظام المنطقي المطلوب في القصة.
تبدأ قصة "الجزيرة" عندما يتردد بطلها "اشکان" أمام خيارين، فيقدم رجلاً ويؤخر أخری. لذلک يتحتم عليه أن يقرر للذهاب إلی بيت جدته في البلدة الشاطئية کما وصّت بذلک أمه، أو يعود إلی الجزيرة ليمنع والدته من بيع الزورق الذي ترکه والده. فيتردد کثيراً ريثما يغادر آخر باص البلدة، فلا يبقی له خيار سوی العودة إلا الجزيرة.
"الجزيزة" لها بداية موفقة تحدد من خلال هذه البداية القصيرة والمختصرة فضاء القصة وشخصياتها الرئيسة ومواقع أبطالها والمشاکل التي يواجهوها. فبطن رخوتها هو إستمرار تردد اشکان في إتخاذ القرار وإختيار أحد الخيارين، فربما هذا ما لا يعجب القاريء المراهق المستعجل کثيراً. فالکاتب هنا يستغل تردد البطل ويلقي نظرة علی الماضي، متحدثاً عن وفاة والد أشکان، ودخول الزورق في حياته. وکان بالإمکان بيان هذه القضايا بطريقة أخری وفي موقف متفاوت لإبداع إفتتاحية مثيرة وأکثر جذابة للقراءة في القصة.
ويسرد عابدي أحداث القصة من وجهة نظر بطلها، واصفاً مکونات الحياة في الجزيرة، مثل البحر الهادیء، والهائج، وصياح الطيور البحرية وضوضائها، وهدير الأمواج وأعمال تشکّل أساس حياة شاطئية تستعرضها الشخصية الرئيسية في القصة، لکن هذا التوصيف قُدّم کأنّ راويه شخص مسن، وليس شاباً مراهقاً بمشاعره وأحاسيسه.
أهم الأحداث التي تتناولها القصة هي: إمکانية بيع زورق والد اشکان، ودخول القاتل أصغر إلی الجزيرة وبداية عمليات القتل، ومحاولات "معروف" لإبطال السحر الذي حوّل إبنه إلی قرد، ومساعي "باشا" للعثور علی الکنوز، وتحقيقات "برزو"، وإجتياح السيول والمياه للجزيرة، وأحداث صغيرة وکبيرة أخری تشکّل عُقد قصة الجزيرة التي لا يؤثر بعضها علی المسار الرئيسي للقصة مثل إبطال سحر إبن معروف، ومقتله بيد القاتل أصغر.
عملية بناء الشخصية القوية تشکّل إحدی نقاط القوة في الجزيرة، ومعظم شخصيات وأبطال القصة هم شخصيات حقيقية يصدّقهم القرّاء، فهم أيضاً شخصيات إيجابية وسلبية نری نظرائهم هنا وهناک. أشکان بطل القصة هو مراهق يسلک سلوکاً يصدر من المراهقين في هذا العمر.
الخطوط العريضة لسيناريو القصة لها صلة بالواقع، لکن يمکننا مشاهدة مواطن ضعف في هذا السناريو المنطقي. والقصة تتبع ضوابط الحياة العادية الروتينية بإستثناء قصة الإبن الذي تحول إلی القرد، وکان بالإمکان تحويل هذه الحالة الإستثنائية في القصة إلی إحدي السمات البارزة لها من خلال خلق أجواء أکثر خيالية في القصة وعرض مسار قصصي منفصل لها وأدلة قابلة للتصديق.
إحدی نقاط الضعف المنطقية الأخری في القصة هي توصيفات الکاتب عن إجراءات مهندس ناجح وتوقعاته التي تتحقق غالبيتها. ويصف الراوي هذا المهندس الناجح بأنه مستثمر ذکي ومخضرم ينجز أعماله بإستغلال جهل الناس، فعلی سبيل المثال، يروّج المهندس وخال "غلام" إشاعة غرق الجزيرة في السيول، ثم يشترون أراضي الناس بنصف أسعارها الحقيقية أو ربعها. لکننا نری في نهاية القصة أن الجزيرة لا تغرق في المياه، وأعلی نقطتها التي تقع فيها قلعة أثرية تسلم من السيول والفيضانات.
الحوارات التي وردت في القصة تطغی علیها لغة کتابية، والکاتب يوظّف تلک اللغة لخلق أجواء قصصية مستهدفة ومطلوبة، والقضية الوحيدة التي تضر بقوة هذه الحوارات هي انتهاج نمط واحد في لغة شخصيات القصة، حيث يمکن رصد اللغة والکلمات التي إختارها الکاتب بوضوح. رمز العنوان : 119931 |