ايران لم تشهد عهد جاهلية مطلقاً
صرح الاستاذ الجامعي اسماعيل بني اردلان في كلمة له في ندوة "الحكمة والفن الايراني" التي عقدت في مركز اصحاب القلم بدار الكتاب: ان ايران كانت في عهد ما قبل الاسلام صاحبة حضارة وثقافة وحكمة تهيمن عليها روح الوحدانية"، كما قال استاذ الفلسفة في جامعة اعداد المدرسين علي محمد صابري نقلاً عن فيلسوف فرنسي: ان ايران لم تشهد عهد جاهلية مطلقاً. وافادت وكالة انباء الكتاب الايرانية (ايبنا)، ان ندوة "الحكمة والفن الايراني" عقدت عصر الاحد في مركز اصحاب القلم بدار الكتاب، بحضور استاذ الفلسفة في جامعة اعداد المدرسين علي محمد صابري والاستاذين الجامعيين والباحثين في مجال الفن ايرج داداشي واسماعيل بني اردلان.
وقال صابري في مستهل الندوة: ان الفيلسوف الوجودي والمستشرق الفرنسي كربن يرى بان ايران لم تشهد عهد الجاهلية مطلقاً ويعود السبب في ذلك الى الاستمرار البنيوي للثقافة الايرانية والمؤشرات الفكرية وذات التوجه المعنوي في ايران والتي تعد بمثابة حلقات سلسلة متصلة بعضها مع البعض الاخر.
واضاف: ان ايران خسرت الحرب عسكريا من العرب واليونانيين لكنها لم تقبل ثقافتهما ابداً بل كان لها التفوق الثقافي عليهما. يتطرق افلاطون في كتاب "النواميس" الى الاخلاق الفارسية، ويذكر اربع فضائل اخلاقية ويعتقد بان اليونانيين اقتبسوها من الايرانيين.
واوضح صابري بان "هذه الثقافة لها اصول في ثقافة زرادشت، ذلك لان الاخلاقيات كامنة في عبارة؛ القول الحسن، الفكر الحسن، السلوك الحسن" وقال: انه في جميع مؤلفات افلاطون يلاحظ كذلك التاثير الاخلاقي لزرادشت، وهو الامر الذي يشير الى ماضي الحكمة اللامع في ايران.
وفي شرحه لمعنى الحكمة، اعتبر ان معناه مختلف في الشرق والغرب وقال: ان الحكمة لدى الشرقيين كما يقول سهروردي، تعني النور ومكانها في قلب الانسان. الحكمة هي الكشف والشهود والعثور على العلم الالهي. وبطبيعة الحال فان هذا الكشف والشهود بحاجة الى ارضيات لازمة لها.
واضاف هذا الاستاذ الجامعي: ان سهروردي يقسّم الحكيم الى ثلاثة انواع، البحثي والذوقي والمتأله البحثي، ويعتبر الحكيم المتأله البحثي بانه الافضل من بينهم، لانه یعتمد على الشهود وكذلك البحث.
واوضح بان "الفن في المعنى الشرقي يختلف عن المعنى اليوناني والغربي" وقال: ان القدماء والعرفاء يعبّرون عن الفن بالفضيلة والذي يعني نوعاً من القرب. لذا فان الفنانين الحقيقيين كانوا شعراء وعرفاء.
من جانبه، صرح الاستاذ الجامعي والباحث ايرج داداشي: ان الغربيين يعتبرون الثقافة اليونانية هي الثقافة الغربية، في حين ان الفكر اليوناني ليس متجانساً ولا ينبغي حصره في افلاطون وارسطو. لهذه الثقافة ماض طويل جداً بحيث يمكن العثور على جذورها في مصر القديمة.
واضاف: ان التشابه الكبير الذي كان بين المفكرين قبل سقراط ومفكري الهند وبابل ومصر، لا يمكن تجاهله، لذا ليس من السهولة اعتبار وجود التفاوت بين الغربيين والشرقيين او اليونانيين والشرقيين وليس بالامكان وضع خطوط فاصلة فيما بينهما لاسيما اذا رجعنا الى ماضيهما.
وتابع الاستاذ الجامعي في مجال الفن: ان حكماء ايران لم يولوا الاهمية مطلقاً للنظام الفلسفي وكانوا يهتمون بالحقيقة فقط. وبما ان الاسلام يقول تعلموا الحكمة فانها ضالة المؤمن فان الحكماء كانوا يبحثون فقط عن الحقيقة ولم يكن لهم شغل بالمشارب الفلسفية.
واوضح انه "عندما يجري الحديث عن الحكمة الايرانية، ينبغي الاهتمام بماضي هذه البلاد" واضاف: هنالك الكثير من الشبه بين الفكر والثقافة الايرانية في القرون الاولى مع اليونان والهند والصين. كان الفنان في جميع الثقافات ينبري "للخلوة" ويبادر الى الابتهال والذكر والشهود، وهو بسلوكه هذا يفرغ من نفسه ويكون مفعماً بالحقيقة.
واضاف داداشي: ان ارسطو يعتبر الحكمة في كتاب "ما وراء الطبيعة" بانها العلم في حده الاعلى، ويعتقد بان الحكيم يؤمن ايضاً بمبادئ المعرفة وان الحكمة النظرية هي العقل الشهودي مترافقاً مع المعرفة العلمية.
وقال: عندما نعود الى جذور الثقافة الايرانية، ندرك بان اساس "مزديسنا" مبني على الحقيقة وان الانسان يصل عبر الزهد والتقوى الى سعادة الدنيا والاخرة.
وقال داداشي في ختام حديثه: ان الحكمة والفن الايراني لازال مستمراً ويمكنه الاستمرار والديمومة ايضاً، ذلك لانه لا يندثر ابداً.
بدوره قال بني اردلان حول معنى الحكمة والفن الايراني: ان اي فرد صاحب راي في بعض الامور مثل الاطباء في الفكر الايراني، كان يحمل الحكمة ايضاً، وهذا يعني ترافق الراي والعمل في الحكمة الايرانية. الحكمة الايرانية تعني الزهد وهو امر قابل للاستدلال والاثبات.
واضاف: ان ايران قبل الاسلام، كانت تتمتع بالحضارة والثقافة والحكمة، التي توسعت بعد مجيء الاسلام. الايرانيون قبل الاسلام لم يكونوا غرباء عن التوحيد ابداً وان روح الوحدانية هذه توفرت لها ظروف جيدة للنمو بعد ظهور الاسلام، ولهذا السبب يتحدث الغربيون عن "العالم الايراني". الاسلام الذي نشأ في ايران متفاوت عن سائر الدول الاسلامية ذلك لان الايرانيين اظهروا حقيقة الاسلام.
واضاف بني اردلان: ان اسلافنا وضعوا تحت تصرفنا عظمة الفكر الديني الاسلامي بصورة ملموسة واصبحوا مبعث فخر ومباهاة لنا. ايران تملك حضارة اظهرت الجوانب الدقيقة والنقاط الخفية للاسلام. وفي الواقع ان الفكر الايراني لما قبل الاسلام استمر وان ما تغير هو المصطلحات فقط. ايران والاسلام ملتحمان معاً ولا يمكن فصلهما عن بعضهما بعضاً.
واعتبر الحكمة والفن الايراني امراً يتسم بالسمو والزهد وتحول بعد الاسلام الى التقليد العرفاني.
واوضح هذا الاستاذ الجامعي بان "المعنى الجديد للفن انتشر في الاعوام الثلاثمائة الاخيرة" وقال: ان الفن في العصر الجديد محصور في حدود علم المعرفة، في حين انه كان ضمن نطاق علم الوجود في العهود الماضية وكان يجري بحثه في اخر مراتب الوجود.
واوضح قائلاً: ان الايرانيين لم يستسيغوا الفكر اليوناني مطلقاً، ذلك لان حل القضايا الايرانية لم يكن ممكناً بالفكر اليوناني. واليوم ايضاً ليس بالامكان حل مشكلاتنا بعلم النفس وعلم الاجتماع الغربي.
واعتبر بني اردلان الحكمة والفن الايراني بانهما تعنيان "الحكمة الخالدة" وقال: ان فردوسي يبدا الشاهنامة ايضاً باسم رب الروح والحكمة. لقد احيا فردوسي الحكمة الايرانية وان الحكمة هي التي منحته الخلود ولكن نحن اليوم للاسف نسينا الحكمة.
واضاف: ان الحكمة هي الشيء الذي يفتخر به الايرانيون، الحكمة المترافقة مع السلوك وتؤدي الى كشف الدنيا والاخرة، وتثبت انفسنا لنا. رمز العنوان : 79934 |