الأخبار المحلية » الوثيقة » الملف
همهمات حميمة لقلم مبدع في سماء القصة والرواية الايرانية
17 Apr 2010 الساعة 15:47
مریم مقیمی ـ الكثير من الكتّاب الذين يكتبون في مجال القصة، ينشغلون احيانا مع افكارهم وتصوراتهم الشخصية بحيث يكون من الصعب التواصل مع اعمالهم وادراك قصدهم وهدفهم. ولكن ايضا ليسوا قليلين من الكتّاب الذين يكون انعكاس قلمهم لصوت وحضور وسلوك افراد لهم الكثير من المصاديق في المجتمع وكأنهم معروفون لدينا كثيراً. في خضم كتابات مثل هؤلاء الكتّاب يمكن ان نستشم رائحة التراب المبتل من المطر وعطر الجوز في زقاق بساتين قصصهم، وحتى ان نكون اصدقاء لابطال قصصهم ونستمر في هذه الصداقة.
الكثير من الكتّاب الذين يكتبون في مجال القصة، ينشغلون احيانا مع افكارهم وتصوراتهم الشخصية بحيث يكون من الصعب التواصل مع اعمالهم وادراك قصدهم وهدفهم. ولكن ايضا ليسوا قليلين من الكتّاب الذين يكون انعكاس قلمهم لصوت وحضور وسلوك افراد لهم الكثير من المصاديق في المجتمع وكأنهم معروفون لدينا كثيراً. في خضم كتابات مثل هؤلاء الكتّاب يمكن ان نستشم رائحة التراب المبتل من المطر وعطر الجوز في زقاق بساتين قصصهم، وحتى ان نكون اصدقاء لابطال قصصهم ونستمر في هذه الصداقة.
علي اصغر شيرزادي هو من ضمن الكتّاب الذين يبقون اوفياء لاطار القصة والاصرار على الابداع في النظرة والاستفادة من كنز المصطلحات الذي يحمله، يؤلف قصة يمكن الدخول اليها بهدوء شيئاً فشيئاً ومواكبة ابطالها حتى النهاية.
علي اصغر شيرزادي ولد في شيراز في تشرين الثاني عام 1944. عندما كان في السابعة عشرة من عمره طالبا في الاعدادية الفنية الصناعية، طبعت قصته الاولى في مجلة "بست طهران" (بريد طهران) واختيرت كأفضل قصة.
من العام 1963 فصاعداً، طبعت قصصه في مجلة "فيلم وهنر" (الفيلم والفن) وبعد فترة وباقتراح من رئيس تحرير المجلة "علي مرتضوي" مارس عمله عضواً فاعلاً في قسم التحرير في المجلة.
في الاعوام التالية، مارس العديد من الاعمال، من ضمنها رسم الخرائط والرسم الهندسي في شركة للبناء وانشاء الطرق. في تلك الاعوام عمل في مجال الصحافة في فترات متقطعة وطبعت قصصه في عدة مجلات فنية وادبية وغالبا في اسبوعية "فردوسي".
منذ العام 1975 التحق بطاقم التحرير في صحيفة "اطلاعات" ومارس عمله كصحفي حرفي بدوام اداري كامل واشتغل لمدة 24 عاماً كرئيس لقسم التقارير في صحيفة "اطلاعات" وتقاعد في العام 2005.
علي اصغر شيرزادي الذي تابع همومه الذهنية الثابتة في مجال القصة والرواية، واصل نشاطه بعملية البحث والخبرة المكتسبة والحداثة المتجذرة في كتابته للقصة كقاص مرموق ذي باع طويل.
مجموعة قصص وروايات هذا الكاتب طبعت لحد الان العديد من المرات، وطبعت له ايضاً العشرات من المقالات والمذكرات ومقالات النقد حول عدد من روايات كتّاب القصة العالميين مثل "ماريو بارغاس يوسا" و"كلود سيمون" و"اناتولي ريباكوف" و"ميغويل آنخل استورياس".
نشرت لعلي اصغر شيرزادي لحد الان مؤلفات مثل "الجالس في الغبار" (مجموعة قصص، اصدارات اطلاعات، 1986)، "الغريب والخرنوب" (مجموعة قصص، اصدارات ني، 1987؛ الطبعتان الثالثة والرابعة، اصدارات علمي)، "قطعة نقود في جيبين" (مجموعة قصص، اصدارات افق، 2005).
وله ايضاً رواية "طبل النيران" (1992، اصدارات ني، الطبعة الثانية، اصدارات علمي)، ورواية "الهلال الخفي" (اصدارات افق، 2003).
وهذه الرواية وصلت الى طبعتها الرابعة خلال فترة وجيزة.
مجموعة قصص "الغريب والخرنوب" التي ترجمت ايضاً الى العديد من اللغات والتي تمكنت ببعض التغييرات البسيطة لاجرائها على المسرح، في العام 1992 من الحصول على جائزة كاراكاس الدولية. وتمكنت مجموعة قصص "الغريب والخرنوب" من الحصول على جائزة "الاعمال المختارة لكتابة القصة في ايران خلال 20 عاما".
وحول رواية "طبل النيران" التي تضم بين دفتيها 468 صفحة، نشر لحد الان اكثر من الف صفحة من مقالات النقد ووجهات النظر والمذكرات في الصحافة والمطبوعات الادبية. "طبل النيران" رواية حول التجاذبات العاطفية –السياسية لجيل امضى شبابه في يأس الاعوام التي تلت انقلاب العام 1953 في ايران ومر عبر احداث النضال السياسي خلال عقد السبعينات من القرن الماضي ووصل الى اعوام ما قبل انتصار الثورة.
شيرزادي كتب فضلا ًعن ذلك رواية "الهلال الخفي" المثيرة للجدل والتي بلغت مقالات النقد المكتوبة حولها اكثر مما لرواية "طبل النيران"، ويرى معظم النقاد بان مكان رواية "الهلال الخفي" كان خاليا في ذلك القسم من الادب المعروف بادب الحرب.
وكان شيرزادي قد عمل ايضاً كرئيس تحرير شهرية "دوران" (العهد) ومسؤولاً لقسم القصة في شهرية "ادبستان" (حديقة الادب)، وهو يعد من المؤسسين الناجحين القلائل لـ "اسلوب الورشة" في كتابة القصة خلال العقدين الاخيرين حيث تمكنت ورشات كتابة القصة التي اقامها في "ادبستان" و"دوران" من تعريف جيل جديد من كتّاب القصة للاسرة الادبية في ايران.
ونشرت لشيرزادي لحد الان المئات من مقالات النقد والمذكرات حول الاعمال البارزة للادب القصصي، ومقالات اخرى حول الرواية والقصة القصيرة في المجلات الادبية والمطبوعات.
التقيناه في منزله. رجل طويل القامة بخطوط بارزة في وجهه ويبدو اصغر من سنه الحقيقي بنحو سبعة او ثمانية اعوام. معلوماته حول كتابة القصة تبعث على الغبطة.
***
* ما عدا كتابة الرواية، في اي المجالات تكتب؟
- قبل ان اعتبر نفسي كاتباً للقصة، بذلت جهداً كبيرا في مجالات كتابة المقالة ولكن التفت سريعاً الى ان التصوير القصصي لدي يغلب على سائر المواضيع، وهذا الامر له جاذبياته الخاصة به ايضاً. كتابات كانت في مجال الادب القصصي والمذكرات او في مجالات النقد ولكن اقول بضرس قاطع بانني لا اعتبر نفسي ناقدا للقصة، لانني لا امتلك الشروط التي يجب ان تتوفر لدي لهذا الغرض. في بعض الاحيان كتبت مذكرة حول شخصية كاتب قصصي او رواية بارزة وطبعت ايضاً لكنها غالبا ما كانت لها صلة بكتابة القصة ولم تكن موضوعاً مختلفاً.
* بما ان مهنتك كانت الصحافة، باعتقادك الى اي مدى كان ذلك مؤثراً في كتابتك للقصة او بالعكس، هل اثرت كتابتك للقصة على مهنتك الصحفية؟
- ان هذين الامرين وفي تناظر جدلي مكمل احدهما للاخر. التجربة الصحفية كانت غنية جداً بالنسبة لي، لاسيما وان الصحافة في عهدنا لها اوجه اختلاف عما هي عليه الان، فمن الممكن اليوم ان يكون قسم كبير من عمل الصحفي او المراسل مستنسخاً او يتسلم العمل جاهزاً ويقوم بتغيير بعض الاسطر فيه او ان يغير العنوان، ولكن نحن كان عملنا انتاجياً منذ البداية والكتابة المحضة وقد ساعدني هذا الامر كثيراً. النقطة المهمة هي انه رغم ان الاثنين مؤثران بعضهما على البعض الاخر، الا انني توخيت الدقة والحساسية دوما وحذراً من ان لا يؤثر التعجيل الصحفي والسلوك المبني على البساطة في العرف الصحفي على ادائي في كتابة القصة.
* كيف كنت تؤدي هذا العمل؟
- كنت قد اخترت اسلوباً خاصاً لنفسي. عندما كنت اكتب تقريراً او خبراً او مذكرة قصيرة في المجالات اليومية والعمل الصحفي الاعتيادي، او بصفة رئيس تحرير عندما كنت اقرأ واصحح مواضيع الاخرين والتي كانت احياناً مصاغة بلغة نثرية ضعيفة او مبعثرة، كان ذلك الضعف والنقص يضرني ذهنياً ويلقي عليّ بظلاله، ربما ان التعامل وقراءة هكذا مواضيع يوهن الذهن ويتعبه، لذا فمن اجل التعويض عن ذلك واعادة الحيوية الى الذهن من جديد والحفاظ على القدرة والمهارة في الكتابة الحقيقية فقد كانت معي دائما نصوص ادبية قيمة ورائعة. كتاب مثل مختارات من تاريخ البيهقي له تاثير كبير عملياً او كتاب "كلستان" للشاعر سعدي شيرازي والذي اعتبر نفسي مدينا له بصورة ما، لاني تعلمت منه الكتابة السهلة الممتنعة والحفاظ على قيمة المصطلح وحرمة الكلام. ان سعدي وفي منتهى الانتقاء والدقة اللغوية في التعبير المشفوع بالمذهب الشيعي يحدد هويتنا وحدودنا حتى حدودنا التاريخية والجغرافية السياسية، في حين نرى اليوم وللاسف الشديد قلة الاهتمام الى حد كبير بهذه المقولة في الكثير من وسائل الاعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، ولا نتيجة لذلك سوى الضرر لاجيالنا القادمة.
* ان الميزة الاهم التي تمتلكها في الكتابة، هي لغتك الفريدة التي تميزك عن الاخرين، فحتى لو كانت القصة التي كتبتها غير معنونة باسمك فان القارئ يعرف بانها تعود لك. هل ان هذا الامر هو بارادتك وبصورة هادفة، ام ان المسالة تجري بالبداهة، وهل ان مثل هذه الحالة جيدة ام لا؟
- اجيب من القسم الاخير من السؤال؛ هو امر جيد بالتاكيد، وهو ما نلمسه من خلال التامل في ابرز الاعمال الادبية لكتّابنا والكتاب العالميين، وندرك بالتاكيد بان المقولة الاولى المطروحة امام القارئ هي حول كتاب لكاتب واسلوب تعامله مع اللغة. ومن الممكن ان هذا الموضوع لم يكن مطروحا بالنسبة لي في البداية بصورة واعية بحيث اكتب بلغة مميزة او بعبارة اخرى اصل الى المكانة التي يقال معها بان الكاتب ذو لغة مميزة، ولكني انتبهت سريعا جدا باني متعلق بشدة بجمالية الكلام، واعتقد ان نوع اللغة المحكية والمكتوبة لكل كاتب؛ ولاسيما لغته الكتابية هي كبصمة الابهام مختلفة عن الاخرين وفريدة لا مثيل لها؛ وبالطبع اذا ما التفت هو الى ذلك وبذل الجهد من اجله فسيقدم لغة مميزة. فمثلما بصمة الابهام لشخص ما ليست مماثلة لاي شخص اخر فان الذهن واللغة في البيان المكتوب والشفهي ليسا متشابهين لاي شخصين ايضاً. اللغة هي العنصر الاساس للقصة وان بناء الرواية او القصة القصيرة، يتم بمواد اللغة، والمصطلحات هي بمثابة الاحجار والبلاط للبناء حيث انها عندما تجتمع مع العناصر الاخرى للقصة فانها تصنع القصة باسلوب خاص. وبالطبع لا ينبغي الاقتناع فقط بلغة خاصة وغنية في القصة. فاستعمال العناصر الاخرى الى جانب عنصر اللغة من شانه ان يؤدي الى ايجاد المهارة اللازمة في كتابة القصة. انني حساس تجاه عنصر اللغة واعتقد ان كاتب القصة ومن خلال التحكم والقدرة في التصرف مع عنصر اللغة يمكنه بسهولة وطمانينة اكبر من التحرك في عالم كتابة القصة وان يقوم بالابداع، الى الحد الذي يعرف الاخرون ان القصة تعود له حتى لو يكن موقعاً باسمه.
* بعض الكتّاب الذين كانوا من نفس جيلك، وهم الان كتّاب بارزون، اجواء قصصهم في الغالب اقاليمية ومتعلقة باجواء خاصة، فيما لقصصك اجواء ذات طابع المدينة، ما هو السبب في نوع نظرتك هذه؟.
- على العموم يكون الكاتب متاثراً وبتعبير اخر مستلهماً من الموقع المحيط به، وبالطبع فان الذي كبر وترعرع في المدينة وتعلم تقاليدها ومجموعة ثقافتها ومصطلحاتها الثقافية المتداولة في المدن الكبيرة، يكون وضعه معلوماً من جميع الجهات ولاسيما من الناحية الثقافية –بدون ان ينتخب مسبقا- لانه يرجع لمجموعة التجارب التي يمتلكها، كونه حصل على هذه التجارب الثقافية في صلب حياة مدنية تماما، ونتيجة ذلك لا ينبغي ان تكون غير ذلك. لو تاملنا قليلاً وعدنا الى ظهور الرواية في العالم، نرى بان توسع المدن الكبيرة والحياة الصناعية وشبه الصناعية مختلفة من الناحية الثقافية والاجتماعية عن مدن ما قبل مرحلة نشوء ونمو البورجوازية، والرواية جاءت بعد ذلك، بحيث بدت وكأنها تلبية لمقتضيات الحياة في المدن الكبيرة. على اي حال ولو انه يُلاحظ توجه مديني في قصصي ولكن اذا اقتضى الامر في موقع ما بان يمضي جزء من الرواية في قرية او اجواء معينة فقد كتبت في حدود تجربتي وبقدر ما اضطررت اليه، وليس اكثر مما كنت على علم به وبصفة شخص مديني امضى بعض الوقت في القرية، وهذه هي ذات الرؤية التي يجب ان تكون متوفرة في القصة.
* هذه الرؤية وزاوية النظر موجودة في قصصك في حين انها ليست كذلك في الكثير من روايات اليوم. هل ان هذا الابداع في زاوية النظر في كتابة القصة، امر ذاتي، ام انك اكتسبتها من خلال مسيرة العمل والتجربة؟.
- سؤال ممتاز. ان الرؤية تساعد الكاتب كي لا يكذب، وان لا يكتب شيئا لا يعرفه، ولو اقتضى الامر ان يتابع العمل عبر الاستفادة من امر وسيط. فعلى سبيل المثال لو اراد الكاتب ان يكتب عن حدث عظيم لا تجربة له فيها كالحرب وكذلك لو اراد ان يكتب بحافز ذاتي، فعليه البحث والتقصي. ان يعثر على الوسيط وان يرتبط عبره مع تلك المقولة بآصرة. من خلال ملاحظة عدد من افضل وابرز مؤلفات الادب القصصي، سواء القصة او الرواية، نشاهد مدى التاثير للاستفادة الصحيحة وفي مكانها المناسب من الرؤية في المضي قدماً بقصة قصيرة او رواية ما. بالنسبة لي لم يكن الامر بان اقرأ كتب القصص ومن ثم ابدأ بكتابة القصة او ان اتلقى التعليم في دروس الكتابة القصصية. من خلال القراءة المكررة والمستمرة للقصص الجيدة يصبح استعمال عناصر القصة للكاتب امراً ذاتياً وبالتدريج كلما تقدم الى الامام تصبح متاصلة فيه بصورة اكثر ذاتية حتى يصل الى مرحلة يفصح على سبيل المثال بانه كان من المفروض او يولي الاهتمام للاستعمال الصحيح للرؤية وسيتعلم هذا الفن من خلال مقالات النقد والاراء التي يقراها بعد ذلك حول الكتّاب الاخرين. مثلاً عندما كنت اقرأ كتاب "جوانب الرواية" للكاتب "ادوارد مورغان فاستر"، لاحظت انه يتحدث عن عنصر الرؤية والتفت الى الى انني ومن دون ان اقرأ هذا الموضوع باعتباره فنّا كنت قد استعملته في كتاباتي. ان تعلم استعمال عنصر الرؤية ياتي عبر المطالعة والتامل في الكثير من القصص والدقة فيها جيداً، ونعرف اسلوب كل قاص في التعامل مع هذه العناصر ومن ثم نعرف اسلوبنا في مسار ذلك، مثلما يجب ان نعرف انفسنا ونتوصل الى استقلالنا الفكري وحياتنا مع الاخرين. ان عنصر اللغة واستخدام الرؤية ومن الذي كتب القصة، والحوادث المهمة التي تقع هي من منظار من، كل هذه الامور تعتبر مهمة جداً. في زمن ما كان يطلق على الرؤية الحكيم العام، وربما كان هذا سهلاً للكاتب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولكن كلما تقدمنا الى الامام نتوصل الى استنتاج بان الحياة اوسع واكثر تعقيداً وغموضاً من ان يتطرق اليها احد من منظار الحكيم العام. في مجال القصة في هذا الزمن فان المسالة نسبية وبالامكان رؤية بعض الاشياء في مستوى محدود وقدرة محددة نسبية، وعلى الكاتب ان يرى دائماً ما هي الامكانات الكامنة او الخفية التي يمكنه اكتشافها، وهذا ايضاً رهن بان يعطي القيمة لاستقلال شخصيته المبدعة.
* لو تحدثتم عن اولى كتاباتكم؟
- انني كالكثير من كتّاب القصة الاخرين بدأت بكل لهفة ورغبة وقريحة متفتحة. كتبت اول قصة في سن السابعة عشرة وكان ذلك حصيلة حدث لي. عند بداية العام الدراسي الجديد وفي اول درس للانشاء التفت الى ان المعلم سجين سياسي مفرج عنه، وكان يتوقع من الطلبة ان يكون اداءهم جيداً. خلال الصف الدراسي نادى المعلم باسمي لاقرأ موضوع الانشاء. لم اكن قد اعددت موضوعا فقلت له نسيت ان اكتب. دوّن المعلم درجة الصفر امام اسمي في دفتره لاعلم كم هو جاد في عمله. في الدرس التالي للانشاء طلبت منه ان يسمح لي كتعويض عن عدم كتابة الانشاء في الدرس السابق، ان اقرأ موضوعاً انشائياً كتبته حول الحدث الذي وقع لي في ذلك الاسبوع. السيد ستايش (يعني التقدير)، هذا المعلم بمعناه الحقيقي، كان جديرا بالتقدير حقاً وانني اود ان اؤكد على ان اذكر اسمه هنا، كان له دور مؤثر ومصيري في حياتي ككاتب. في ذلك اليوم قرأت القصة التي كتبتها لموضوع الانشاء ورغم ان جرس الاستراحة كان قد دق الا ان الطلبة ظلوا جالسين في الصف. حظيت بتقدير ذلك المعلم الجليل، وبدأت علاقتي الودية معه منذ ذلك اليوم. اعطاني كتاب "عناقيد الغضب" لجون اشتايتنبك ونصحني بان اقرأ قصص تشيخوف. في الظروف التي كنت فيها في صلب المغامرة واحلام الشباب، بيّن لي هذا المعلم الطريق. ربما لم افكر ابداً ان اكون كاتباً او ان يكون توفير معيشتي من هذا الطريق. لقد علمني ان لا انسى ابداً الاستمرار في القراءة والكتابة في اي موقع ومهما كانت الظروف، ومثلما اسعى من خلال الرياضة للحفاظ على لياقتي البدنية وازيد من مهارتي، ان اكون كذلك في مجال القراءة والكتابة، وان اعرف قيمة ذلك لكي اقف على قدميّ وتتوفر اسباب ارتياحي. وفي الحقيقة كان هذا هو الذي حصل، حيث طبعت اول قصة لي بمتابعة من قبل هذا المعلم العزيز، وكانت قصة بعنوان "لون الخيال" التي فازت في مسابقة كتابة القصة لمجلة "بست طهران" التي نشرتها على شكل سلسلة في ثلاثة اعداد متتالية. وكان نتيجة الرعاية ودقة الرؤية والمسؤولية من جانب معلم جيد وانموذج.
* في كلامكم كان هنالك حديث عن المعيشة. الى اي حد يمكن توفير المعيشة من كتابة القصة؟.
- في نظرة الى عدد النسخ للكتاب يمكن القول انه من المستبعد للكثير من كتّاب القصة ان يتمكنوا من توفير معيشتهم عن طريق كتابة القصة والرواية. في مرحلة ما، قبل نحو عشرين عاماً، تم اتخاذ خطوات في مسار كتابة القصة في بلادنا، واقتربنا الى حد ما، من حدود شبه الحرفية ان لم اقل الحرفية، ولكن للاسف لم تتطور هذه الامكانية، والان من الصعب جداً ان نصدق بان كاتب القصة يمكنه تمضية معيشته عن طريق كتابة القصة. وبالطبع هناك من يكتب بالاستفادة من اطار وشكل الرواية والقصة، قصص حب رومانسية، او قصص احداث ومغامرات تكون مستساغة من قبل عامة الناس. مثل هذه القصص تطبع وتنشر باعداد نسخ جيدة، وحقوق التاليف لها ايضاً جيدة ومختلفة عن حقوق التاليف للقصص الجادة. ان القصد من كتابة القصة ليس الكتابة بهذا الشكل، بل هي مقولة لها علاقة بادب كتابة القصة بصورة حرفية ولها ادبيات موجودة في القصص والروايات القيمة، اعمال لا تكون فقط اعادة انتاج على الاقل بل اعادة خلق للواقع.
* ما رايكم حول مقص الرقابة في الكتابة؟
- هنالك في كل انحاء العالم حدوداً وخطوطاً للامور، وان مجموعة الثقافة والرؤى المختلفة والكثيرة التنوع والتعدد ترسم هذه الحدود، ولكن ان تقوم مؤسسة ما بتولي مهمة مقص الرقابة فانه يعود على الدوام بنتائج مرة. ان القاص الواقعي والحقيقي والبارع والمبدع والمتمرس والماهر هو كالطبيب. ومن منظار واسع فان الطبيب يعتبر مستودعاً للسر، ولذلك فان الكاتب مسموح له المضي في اعماق ذهن وحياة شخصياته. باعتقادي ان الكاتب ودون ان يكون ملزما باتباع نظام فكري ما وبتعبير فلسفي ان يتعامل نظامياً، يجب ان يتناول كل جهة بابداع وهو امر مسموح له. والقاص هو الشخص الاكثر حرية على وجه الارض، لان لا حرية تقاس بحرية التعبير واللغة. الحرية هي للتعبير عن اعقد المكنونات داخل روح الانسان واكثر اشكال علاقات الانسان تعقيداً.
* في مرحلة ما كنت رئيس تحرير مجلة "دوران" (العهد)، وحسب قول البعض كانت علاقتك قوية وجيدة مع الشباب، وكنت قد فتحت المجال امام تطورهم، ماذا كان الهدف من ذلك؟.
- عندما يجري الحديث عن القصة وكتابة القصة اشعر وكأني مثل العدّاء الذي يبدأ الركض وتجري الحرارة في بدنه شيئاً فشيئاً؛ وكتابة القصة هذا امر محبب اليّ كثيراً، ويمكن القول بانه الهم الثابت والباعث الى الشوق لذهني وحياتي. وبالتالي ففي اي مجال او موقع اكون فيه، يتجه ذهني وتوجهي شئت ام ابيت من الناحية التاريخية والجغرافية لهذا الموضوع، وهو امر طبيعي جداً. عندما ارى شباباً مثلما بدأت انا العمل في شبابي، بحاجة الى المساعدة والدعم، امسك بايديهم. حينما بدأت العمل كرئيس تحرير في مجلة "دوران" واجهت الكثير من الصعوبات من حيث امكانية النمو والتطور وعدم وجود الافراد ذوي الخبرة. ومن منطلق ان الشاب الذي يكتب القصة يكون قد انجز عملاً كبيراً، فقد بدات منذ عام ونصف العام باطلاق مسابقة كتابة القصة في المجلة العامة والمرموقة "اطلاعات" الاسبوعية وهي مجلة عائلية تلبي الكثير من حاجات العوائل، واعتقد انه مثلما وفّر الاخرون الامكانية لي فانني اؤدي دوري تجاه الاخرين ايضاً. عندما اقوم باعداد قصة للطبع واوضح حول طبيعة القصة، واتحدث عن هيكليته وكيفيته، وفي اي مرحلة هي، وما هو الهدف من القصة، وهل ذات شريحتين ام شريحة خفية؟ وان مثل هذه الامور تشجع الشباب وتحفزهم للمزيد من الابداع.
* هل ان كتابة القصة، امر يمكن تعلمه ام هو فن ذاتي الطابع؟
- القاص كأي فنان مبدع يعتمد الذوق والقريحة حافز قوي يجتذبه في ذلك الاتجاه. وفي هذا الصدد فان اكتساب الخبرة والقراءة والكتابة يجب ان يصل الى المكانة التي يبتعد فيها عن الكتابة العفوية، وعندما يحدث هذا الامر يكون مسيطراً شيئاً فشيئاً على معرفة كتابة القصة، ويكتسب مهارة جيدة، وان هذه المهارة تبرز في الاستعمال المدروس لجميع عناصر القصة ويجب ان يصل بصفة كاتب مستقل بالمعنى الحقيقي والواسع للكلمة، الى المكانة التي يكون فيها ملحوظاً في هذا الصعيد، وان يتمكن في الوقت ذاته وعند الضرورة من انجاز هذا الامر بحداثة، وراينا دوماً كتّابا ناجحين وصلوا الى هذه المرحلة وعرفوا مكانتهم. ان اي كاتب يصل الى هذه المرحلة يجب بالتاكيد ان يتقن معرفة الكتابة كالموسيقار الذي يمتلك قريحة تاليف وعزف القطع الموسيقية، ولكن لو لم يتلق التعليم فانه لن يصل الى اي مكانة حتى لو كان نابغة.
* لماذا لم تضعوا هذه المعرفة في كتاب تحت تصرف الاخرين؟
- في هذا المجال تم تاليف الكثير من الكتب، كتاب "فن كتابة القصة" لابراهيم يونسي، هو اول كتاب متميز حول معرفة كتابة القصة طبع في العام 1961، ومع انه مضى نحو 47 عاما على تاليفه واصداره، ولكن للاسف لازال حتى الكثير من كتّاب القصة البارزين لدينا لا يمتلكون الالمام الكافي حول معرفة كتابة القصة. البعض يعانون من التطبيق المدروس وفي موقعه المناسب "للرؤية" في القصص المختلفة. ان عملي ليس التدريس والتعليم ولكن لو اقتضى الامر فانني لا اقصّر في ذلك. قمت بالتدريس احياناً وشكّلت احياناً اخرى ورشات تعليمية وبادرت الى تعليم كتابة القصة عبر هذه الورشات.
* كان هنالك توقف طويل نوعما بين طبع روايتي "طبل النيران" و"الهلال الخفي"؟.
- بالطبع، كنت مستمراً في عملي خلال الفترة الزمنية الفاصلة بينهما هذه، ولم يكن الامر بان توقفاً طويلاً قد حصل. وان عدم طبع كتاب لكاتب ما ليس دليلاً على انه لم يكتب. بعض الكتّاب لا يتعجلون لطبع اعمالهم، ولكل كاتب طريقته الخاصة به. ففي بعض الاحيان ينهمك الانسان ببعض الامور ويبتعد قليلاً عن الكتابة.
* رواية "الهلال الخفي" حظيت باقبال جيد من بين رواياتكم، حبذا لو توضحوا ذلك؟.
- كتبت رواية "الهلال الخفي" في 10 ايام. ربما يتصور القارئ بانها كتبت خلال مدة عامين، ولكن الامر ليس كذلك. اذ قمت بكتابتها مرة وتنظيمها وتصحيحها مرة اخرى. كان تصوري ان هذه الرواية صعبة القراءة ومعقدة وانها من الروايات المعقدة من حيث البناء وانها لهذا السبب ستكون صعبة المبيع ولكن على العكس من تصوري كان هذا الكتاب الوحيد التي تم بيعه سريعاً وطبع مرة تلو اخرى حتى وصل الى طبعته الرابعة على وجه السرعة. شخصيات الرواية محبوبة عندي كثيراً. الملازم الاول الشهيد نامداريان الذي استشهد على اثر موجة انفجار احبه كثيراً، ورغم انني انا الذي كتبت القصة لكنني شعرت بالحزن من ذهابه. في الاساس لا اعرف كيف دخل القصة وابان عن نفسه كشخصية الرواية الرئيسية، في حين انه لم يكن موجوداً حتى في التصميم الاول الذي وضعته للرواية في ذهني. وعندما استشهد اعتصر قلبي ألماً، وكذلك تعلقت كثيراً بالعريف ابراهيم يارزاولي الذي يجب ان يصبح جنرالاً، ومن الممكن تتبع اثره في قصتي الاخرى. هذا هو بالضبط المكان الذي يكتشف فيه الكاتب عالمه في الكتابة.
* كيف ترون كتابة الرواية وقراءتها في مجتمعنا.
- بصورة عامة يجب القول بانه لم يحدث تغيير ملموس، اذ لا نشاهد تغييراً ملحوظاً في عدد الروايات وتنوع العناوين وعدد الكتب سواء المترجمة او المؤلفة، ولكن مقارنة مع العقد الماضي وفترة ما بعد الحرب حصل نشاط ملحوظ في تاليف القصص والروايات كانت نتيجته طبع واصدار العديد من الروايات اللافتة واللامعة جداً ولكننا الان نعاني من الركود، لا ينبغي ان نعزو السبب فيه الى مجال الادب فقط بل هنالك جذور واسباب خارج ذلك تمتد الى السياسة والاقتصاد.
* ما مقدار علاقتك مع قرائك، والى اي مدى تدرس نقاط الضعف في اصدار كتبك؟.
- من المهم بالنسبة لي ان ارى اعمالي والنتائج التي تؤول اليها، واذا كان العمل بارزاً ولامعاً وتم تجديد طبعه فانه يتبيّن ذلك. عندما اريد ان اكتب، لا افكر بالكتابة لشريحة خاصة من القراء وحتى انني لا اكتب لشريحة سنية معينة. من الممكن ان افكر بعد الكتابة بان استيعابه صعب لبعض القرّاء، ولكن لا يوجد اي تعمد في غموضه وتعقيده، وهو في الحقيقة امر ذاتي. من الضروري ان اذكر بانني اؤمن تماماً بذكاء القارئ وربما يكون استيعابه الذهني اعلى من الكاتب. احد القرّاء كان قد قرأ "قطعة نقود في جيبين" وقام بنقده وتاويله بصورة رائعة جداً اثارت دهشتي، وهذا هو في الحقيقة الاستنتاج النهائي والمعنى التاخيري الذي يعرف اصطلاحاً بالمعنى الاخير للعمل.
* هل من الممكن ان توضحوا لنا في هذا الصدد؟
- انني لن اسمح لنفسي ابداً بتبسيط موضوع القصة التي اكتبها لاهانة قارئي، لاني اعتبر القارئ ذكياً ولاسيما الجيل الشاب والناهض، حيث نشهد في مختلف المجالات ظهور توجهاتهم في البحث الفاعل والاكتشافي.
* كيف تقيّمون وضع كتابة القصة والرواية في ايران مقارنة مع سائر دول العالم؟
- في كتابة القصة ومع الاخذ بنظر الاعتبار مجموع الامكانيات والمقارنة الدقيقة والعميقة والسلوك التطبيقي الكامل، نشاهد عدداً ملحوظاً من كتّاب القصة القصيرة المعاصرين في ايران، الذين اذا لم يكونوا افضل من سائر كتّاب القصة في العالم فانهم ليسوا اقل منهم. أما بشان كتابة الرواية، فمن الممكن الاشارة الى هذه النقطة وهي انه اثر تبلور مجتمعات المدن في العالم بمعناها الحقيقي وبعد انهيار الاقطاعيات الكبرى والاقتصاد الاقطاعي ومع تبلور واستمرار الحياة المدنية المتكاملة، ظهرت الرواية الى الوجود أيضاً. وبعبارة اخرى لو تاملنا في التعريف الدقيق لعلم الاجتماع الذي تبلور في ظل الفلسفة السياسية او في ظل علم الاجتماع الحديث ومع الاخذ بنظر الاعتبار المؤشرات والعناصر، ليس لنا في الوقت الحاضر حياة المدن الكبرى بالمعنى المطروح الان في العالم المتقدم. فلو نظرنا الى طهران البالغة نفوسها 10 ملايين نسمة نلاحظ انها قرية ذات 10 ملايين نسمة، فلا زالت علاقات الافراد قبائلية، والافراد بحاجة الى ان يكونوا عصبة او قبيلة او عائلة او اقارب. ولهذا السبب يمكن القول في هذا المجال بان كتابة الرواية مقيدة بسلسلة من المشاكل.
* كم ساعة تطالعون يومياً؟
- بمعدل 4 ساعات.
* هل تمارسون الرياضة؟
- 30 دقيقة يومياً، امارس رياضة المشي.