قيل في محاضرات حول الشاعر عطار نيشابوري مولانا جلال الدين بلخي وعطار نيشابوري كانا مفكرين فذين
قال الباحث الأدبي "كريم زماني" في المحاضرة السادسة عشرة حول الأديب عطار نيشابوري: إنني لا أعتبر مولانا بلخي وعطار ضمن الشعراء، فهما مفكران فذان ألبسا أفكارهما ثوباً شعرياً، وإن إعتبرناهما شعراء فقط، فقد وضعنا من شأنهما وقيمتهما. وأفادت وكالة أنباء الكتاب الإيرانية "إيبنا" أن المجموعة السادسة عشرة لمحاضرات حول الأديب الإيراني المعروف "عطار نيشابوري" إختصت بمناقشة ومقارنة كتابي "أسرار نامه" (رسالة الأسرار) لعطار والمثنوي لمولانا بلخي بعضهما البعض، وانعقدت هذه الجلسة الأدبية مساء الأربعاء الماضي في المركز الثقافي لـ "شهر كتاب" (مدينة الكتاب) بحضور شارح المثنوي الباحث "كريم زماني" الذي ألقی كلمة فيها.
وإستهل زماني كلمته بذكر بيت شعري من عطار نيشابوري، حيث يقول: «لم أمدح أحداً في حياتي / لم أتقاضی جوهرة لأجل الدنيا»، مولانا أنشد نحو سبعين ألف بيت شعري، وعطار سرد أكثر من ثلاثين ألف بيت، لكن أشعارهما لا تتضمن بيتاً واحداً يمدح أميراً أو سلطاناً، وهذا هو وجه التشابه بينهما.
وأضاف: أن التشابه الآخر هو أن مولانا وعطار حرّرا الشعر والنثر من سجن الأرستقراطية والبلاط، ومنحاها صبغة شعبية، لهذا السبب ركزا علی التمثيلات، لأن التمثيل وسيلة لنقل المعنی والمضمون، حيث يقول مولانا جلال الدين بلخي حول هذا المعنی: «هذا المثل كوسيط بين الكلام / ويُشترط الوسيط لفهم العوام»
وقال زماني: إن التشابه الآخر هو أن حديث ورسالة هذين الأديبين العظيمين يخلوان من المصطلحات والتعابير الصوفية والكليشية والفلسفية، لأنه من السهل جداً إطلاق الحديث الممزوج بالمصطلحات وذلك يتطلب فقط المطالعة والتعليم، وحفظ المصطلحات دون أن تربط قلبنا بالعوالم المعنوية لا جدوی له، لذلك نری أن مولانا وعطار لم يُدخلا هذه المصطلحات في رسالتهما الأدبية. ثم، قال هذا الباحث الذي شرح المثنوي في سبعة مجلدات: لذلك نری أن كلامهما وحديثهما يجذبان المخاطب والمتلقي بلطافة، لأنهما كانا يتمتعان بكم هائل من التجارب والمكاشفات الروحية وقوة التحليل والتبيين، مما يسهل عليهما بيان قضايا مشكلة ومعقدة: «إبداع هذه الصورة بهذا المعنی المعمق / لن يحصل إلا من الخالق المبدع»
وأوضح زماني: أن التشابه الآخر بين عطار ومولانا يتمثل في أنهما ألّفا أعمالاً منظومة ومنثورة، فعلی سبيل المثال، كتاب "تذكرة الأولياء" لعطار نيشابوري موسوعة تتناول سير الأولياء والمشايخ، ونثره سلس وجذّاب ولطيف، تحديداً في الجزء الذي يصف فيه عطار حالات العارف "منصور حلاج" في أبيات شعرية.
وأوضح: أن في شرحه سيرة ابوسعيد خرقاني يبدع ويتألق، فهو ذكر في كتابه نحو 2864 حكماً ومأثوراً من كبار العرفاء، وفي حال إخراجها من هذا الكتاب، تشكل هذه المأثورات كتاباً بمفردها.
وتابع بالقول: إن "دولتشاه سمرقندي" يقول بالقرن التاسع في كتابه "تذكرة الشعراء" إن عطار لديه 190 مؤلفة، هذا الكلام ليس صحيحاً وما يتفق عليه الباحثون المتخصصون في أفكار ومؤلفات عطار نيشابوري أنه ألّف أربع مثنويات هي "أسرار نامه" (رسالة الأسرار)، و"إلهي نامه" (رسالة ربانية)، و"مصيبت نامه" (رسالة المصائب)، و"منطق الطير". وآخرون ذكروا أن "خسرو نامه" (رسالة خسرو) من مؤلفات عطار، لكن يُستبعد ذلك لأن النهج المتبّع في هذا الكتاب يختلف عما هو عليه في المثنويات الأربعة.
وأضاف: إن عددنا أبيات هذه المثنويات الأربعة لنجد أن عطار سرد نحو 22 ألف بيت شعر. ولديه حوالي عشرة آلاف بيت من الغزل، وقرابة ألفين بيت من الرباعيات، بينما أن كتاب المثنوي لمولانا بلخي بأقسامه الست يتضمن نحو 26 ألف بيت. وغزلياته تقترب من 40 ألف بيت، وعلينا أن نضيف إليها أيضاً ألفي بيت من الرباعيات. وهذا هو تشابه آخر بين مولانا وعطار.
وقال هذا الباحث في أفكار مولانا ومؤلفاته: إنني لاأعتبر مولانا بلخي وعطار ضمن الشعراء، فهما مفكران فذان ألبسا أفكارهما ثوباً شعرياً، وإن إعتبرناهما شعراء فقط، فقد وضعنا من شأنهما وقيمتهما.
الفرق بين بلاغة الحديث لدی عطار ومولانا وسائر الشعراء وأضاف: ذُكر أن عطار إلتقی بمولانا حينما كان الأخير طفلاً مرّ برفقة والده من نيشابور. هذه الرواية أدق من الرواية السابقة ولا مشكلة فيها تاريخياً وعقلياً. وكما ينقل جامي ودولتشاه: لمّا رأی عطار هذا الطفل، قدّم له كتاب "أسرار نامه"، مخاطباً والده سلطان العلماء: إن هذا الطفل سرعان ما يُشعل النار في قلوب العارفين والعاشقين، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أنه لماذا مولانا وإبنه لم يذكرا هذه القضية في أعمالهما؟ ومن ناحية أخری، فإن كتاب "مناقب العارفين" لا يشير إلی هذا الأمر.
فعلی أي حال، الغموض يكتنف شخصية عطار وحياته، وأنه هل كان له أب روحي أم لا؟ هذا فيه نظر. البعض يقول إن الشيخ "ركن الدين عكاف" كان أباً روحياً لعطار. وآخرون ذكروا "قطب الدين حيدر" كأب روحي له. أو قيل أنه كان أويسياً. والأويسي يُطلق علی من يسلك الطريقة العرفانية دون أن يكون له أب روحي. هذا الغموض يظهر أن البحث عن أفكار ومؤلفات عطار لا يزال في مراحله الأولية، وقيام أدباء كبار ببحوث حوله لا يشفي الغليل.
وأضاف: أريد أن أقول أيضاً أن الفرق بين كتاب "اسرار نامه" لعطار وبين بقية مثنوياته يتمثل في أن المؤلف يتبع مشروعاً كلياً في بقية كتبه، وطريقة بيانه متداخلة ومعقدة. لكن أسلوبه القصصي في "أسرار نامه" مختلف تماماً. أيضاً قيل أن عطار ألّف هذا الكتاب في قمة نضوجه الفكري والعرفاني. لكنني لا أقبل بهذا الرأي، معتبراً "منطق الطير" أنضج منه. والمشكلة الأخری هي عدم وضوح التسلسل التاريخي لأعماله، حيث تاريخ تأليفها ليس واضحاً. لكنّ مولانا يشير في أعماله إلی أحداث أيامه مراراً. رمز العنوان : 125905 |