الأركان التاريخية لإنتاج ونقل المعرفة في الغرب تعالج في إطار كتاب إعادة استنباط المعرفة؛ من جامعة الإسكندرية الی الإنترنت
"تصوَّروا كل المعارف في الشبكة العنكبوتية العالمية (www)! إن كل شيء نسميه معرفة سيصبح مرقمناً ويمكن النفاذ إليه من قبل الجميع، ومفهرساً تماماً ويمكن البحث عنه بسهولة. ليس هذا مجرد خيال علمي، بل حقيقة لرواد الإنترنت المنخرطة في مسح مقتنيات بعض أكبر المكتبات في العالم". هكذا بدأ المؤلفان كتابهما، فواصلا القول بسرد تاريخي ثم بلغة تستشرف المستقبل المعلوماتي. ايبنا: نقلاً عن الجزيرة، تتمثل الأسئلة الرئيسية التي يجهد المؤلفان لأن يجدا إجابات دقيقة لها: - كيف لنا أن نتكيف مع الظروف الجديدة الواسعة لنثبت أنه بمقدورنا إعادة استخراج ثقافتنا؟ - ما المعاهد التي نحن بحاجة إلى إنشائها لنقل معارفنا بمجملها؟ - هل المكتبات التقليدية غدت من طراز قديم عتيق؟ - كيف يجب أن نغير الجامعات التقليدية؟ - أبامكاننا التوقع بأن التقدم العلمي سيحسن حياتنا؟ - ما الذي ستفعله الوسائط الرقمية لإنتاج المعرفة ونشرها عن طريق الكلمات والصور؟
وللإجابة عن تلك الأسئلة يستعرض الكتاب بسرد تاريخي ممتع مؤسسات المعرفة الست التي سيطرت على الحياة الفكرية في الغرب منذ القديم ونجحت في حفظ المعرفة ونقلها وتطويرها، وهي: المكتبة والدير والجامعة ودولة الأدب وفروع المعرفة والمختبر. وقد أشار الكتاب إلى أن تلك المؤسسات كانت تحمل "مشعل التعلم" في أوقات الاستقرار، وفي أوقات الثوران يعيد الأفراد والمجتمعات استنباط المعرفة عن طريق إقامة مؤسسات جديدة. وقد ركز الكتاب على لحظات النقل والتجديد في إيجاد المعرفة ونقلها.
ويقرر المؤلفان أنه منذ "قرابة 2300 سنة بدأت المعرفة تتوسع لتتجاوز حدود عقل الناس ـ أو عقول مجتمع وحيد من العلماء المنخرطين في جدل وجها لوجه، مثل سقراط وأتباعه ـ لذا فإن تنظيم المعرفة أصبح لا يقل أهمية عن المعرفة ذاتها"، ثم أخذ الكتاب بالتشديد على أنه من الخطأ الاعتقاد أن ثورة الإنترنت وحدها ستفلح في صنع مجتمع المعرفة.
وبعد ذلك شرع الكتاب بسرد حكاية المعرفة لدى كل مؤسسة مألوفة من مؤسسات المعرفة وقد خصص المؤلفان فصلا لكل مؤسسة، وأنهيا الكتاب بخاتمة وإرشادات.
المكتبة (300 قبل الميلاد-500 بعد الميلاد) الفصل الأول توجه صوب المكتبة، مع الإشارة إلى ديمتريوس فاليرون كأول من أسس مكتبة في العالم الغربي، وهي مكتبة الإسكندرية. تلقى ديمتريوس الذي أسس أول مكتبة في الغرب دعوة من حاكم مصر بطليموس الأول للهجرة إلى الإسكندرية وأصبح "فيلسوف بلاط بطليموس"، وقد بادر حينذاك بتأسيس مكتبة الإسكندرية.
وتعرض الكتاب لقصة بناء المكتبة بالتفصيل وما ترتب عليها وما تلاها من خطوات وجهود لبناء المعرفة وحفظها ونقلها بما في ذلك أعمال الترجمة من وإلى اللغة اليونانية. كما أوضح الكتاب قصة فهرسة الكتب في مكتبة الإسكندرية والجهود التي قام بها بعض الحكام لتأسيس مكتبات ضخمة. وقد فند الكتاب حكاية تدمير مكتبة الإسكندرية من قبل المسلمين، مشيدا بدورهم في نقل المعرفة وتطويرها وقد نص المؤلفان على أن المراكز العلمية الإسلامية كانت "طوال قرون أكثر حيوية وأصالة من نظرائها الرومانية الغربية".
الدير (100-1100م) حين صدر "مرسوم ملكي" في العام 529 للميلاد بإغلاق "أكاديمية أثينا" التي كان قد أسسها أفلاطون في عام 387 ق.م، أسس في العام ذاته دير في "مونتي كاسينو" جنوب روما، وقد لعب دورا محوريا في حفظ المعرفة وتعميقها. وقد سعت الأديرة إلى حفظ المخطوطات وإيجاد طرائق للتعليم والتهذيب لا سيما في إطار التعاليم الدينية.
الجامعة (1100-1500م) يشير الكتاب إلى أن أول جامعتين غربيتين (القرن 12 و13) ـ في بولونيا وباريس ـ تأسستا بشكل عفوي "حول شبكة من الطلبة والمدرسين"، وقد أوجدت الجامعة لنفسها مكانا في تنظيم المعرفة وتطويرها بسبب النظرة الضيقة للدير والنظرة الانكفائية.
وتمشياً معه فإن انتشار الأفكار وحركة العلماء انتعشا بفضل طرق التجارة والسفر اذ يشير المؤلفان الی بغداد القديم بالقول بأن بغداد أصبحت في العصر العباسي بمثابة مكتبة الإسكندرية الجديدة محتوية "علماء كبارا متعددي الثقافة" وقد نوه الكتاب بحركة الترجمة العربية التي أسهمت في جعلها لغة عالمية، نافيا مقولة بأن العرب أفلحوا فقط في "تلقي التراث القديم".
دولة الأدب (1500-1800م) أشار الكتاب إلى أن الإنسان المتوسط الثقافة قد لايعرف شيئا عن "دولة الأدب" التي تعني "مجتمعا دوليا للمعرفة يتواصل بعضه ببعض عن طريق الرسائل المكتوبة بخط اليد، وفي مرحلة لاحقة بواسطة الكتب والمجلات".
ويعود نموذج دولة الأدب إلى الخطيب الروماني شيشرون (106-43 ق م) الذي كان يتابع دراسته ويراسل أصدقاءه لا لمجرد الحياة الفكرية فحسب، بل ليطور مهاراته الخطابية والسياسية. وقد دخل مصطلح "دولة الأدب" الفكر الغربي في أواخر القرن الـ 15 للميلاد وقد أكد الكتاب أن "التنوع الأوروبي" وليس "التوحد" كان سببا في الازدهار، حيث إن ذلك التنوع قد حمى بعض الممارسات المعرفية الجيدة من أن تصاب بالانهيار التام بسبب أحداث سياسية وفكرية في هذا البلد الأوروبي أو ذاك.
ومع أنه لا توجد أرقام دقيقة لحجم دولة الأدب، إلا أن الكتاب أشار إلى أنها كانت تضم 600 مشارك في إيطاليا وألمانيا، وبحلول عام 1690 شارك فيها أكثر من 1200 في شمال أوروبا، وقد سجل في مكتبة دولة هامبورغ 6700 شخص كانوا يتبادلون مراسلات علمية لامست 35000. وقد أفلحت دولة الأدب في اختراق الأجيال بعد أن أفلحت في اختراق الحدود.
فروع المعرفة (1700-1900م) "ولّدت حركة التنوير أول سوق جماهيرية غربية للمعرفة ومعها التخصصات في العمل الفكري"، مع الإشارة إلى أن آدم سميث ـ في كتابه ثروة الأمم 1776م ـ قد أكد على أهمية التخصصات وأن "المعرفة سلعة"، وقد اتجهت حركة التنوير إلى نشر "الكلمة المكتوبة" مع استخدام لغة ميسرة طلبا للانتشار بين الجماهير، ولم تكن الجامعات الغربية آنذاك مكانا لجذب رواد التنوير لإحياء المعرفة. وقد تتبع الكتاب حركة تطور المعرفة ونقلها عبر حركة التنوير وتعميق فروع المعرفة.
المختبر (1770-1970م) افتتح الكتاب حديثه عن المختبر بحادثة حصول الزوجين ماري سكلودوسكا وبيير كوري على جائزة نوبل في الفيزياء في أوائل القرن العشرين. ويشير الكتاب الی ان المختبر قد "هرّب التقنيات الحرفية إلى فروع معرفية أكاديمية" مؤكدين علی أهمية المختبر في صنع "مجتمع المعرفة".
وقد استعرض الكتاب حركة فعالة لفكرة دولة الأدب في حقبة تطور العلوم المعملية والتجارب المختبرية في حقول متعددة كالكيمياء والاكتشافات الكيمياوية، بالإضافة إلى تجارب علماء مثل باستور.
وفي ختام الكتاب أعاد المؤلفان التأكيد على أهمية المختبر في صنع "مجتمع المعرفة"، مع التشديد على قيام الجامعات بتنفيذ "أبحاث أساسية نظرية".
ألف كتاب "إعادة استباط المعرفة (من الإسكندرية إلى الإنترنت)" أيان ف ماكنيلي وليزا وولفرتون وترجمه الدكتور خضر الأحمد الی العربية في 248 صفحة كما أصدرت هذه الترجمة دار الكتاب العربي في بيروت. رمز العنوان : 74964 |