الأخبار المحلية » تحليل » العالم
دور المستعربين الإسبان في احياء الأدب الأندلسي العربي
23 Nov 2011 الساعة 14:12
من المعروف أن الاستعراب الإسباني قد خدم الأدب العربي بالأندلس إلى يومنا هذا خدمة كبرى، ولايمكن لأي دارس عربي إنكار ذلك تحت أي مبرر ذاتي، أو مسوغ علمي أو غض البصر عن تلك الجهود الجبارة التي قام بها كبار المستعربين الإسبان على مر السنين.
ايبنا: فقد قام هذا الاستعراب الذي يعد فرعاً من الإستشراق بجمع المخطوطات الأدبية الأندلسية شعراً ونثراً، وتوثيقها متناً وتدويناً وأرشفة، وتأريخ معطياتها سياقاً وتحقيباً وترجمتها إلى اللغة الإسبانية، ودراستها مضموناً وشكلاً ووظيفة، وذلك من أجل تحديد تطور الأدب الأندلسي. وهناك اتجاهات تؤكد علی أنه ولولا الاستعراب الإسباني لما عرفنا الكثير عن الأدب الأندلسي شعراً ونثراً، ولما عرفنا الكثير عن الدواوين الشعرية ومبدعيها المغمورين والمشهورين على حد سواء.
اهتم المستعربون الإسبان بالأدب الأندلسي جمعاً وترجمة وتوثيقاً وتحقيباً وتأريخاً وتصنيفاً ودراسة ونقداً منذ القرن الثالث عشر الميلادي مع تأسيس جامعة صلمنكة (1227م). ولكن الاهتمام الدقيق والعلمي بهذا الأدب، لم يتم إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، وذلك مع مجموعة من المستعربين الإسبان المتمكنين من اللغة العربية وآدابها وثقافتها، واستمر ذلك الاهتمام إلى يومنا هذا عبر الدرس الأكاديمي، ومختلف الندوات واللقاءات والمؤتمرات العلمية.
فقد بدأ الاهتمام بالأدب الأندلسي بإسبانيا في وقت مبكر، عبر تأسيس كراس جامعية بصلمنكة، وإشبيلية، وبالما، وليريدا، وبرشلونة، وبلنسية، ومدريد، وغرناطة، وسانتياغو دي كومبوستيلا و عدد آخر من الجامعات في مدن أخری. ولا ننسى كذلك ماقام به الملك كارلوس الثالث (1716-1788م) حينما وسع المكتبة الملكية، ونظم مكتبة ديل الأسكوريال (Biblioteca del Escorial)، التي كان قد أنشأها الملك فيليب الثاني سنة 1557م. وتضم هذه المكتبة وحدها 1900 مخطوط عربي.
وقد خضعت مخطوطات المكتبة للتجليد، والفهرسة، والتصنيف الموضوعاتي، وذلك من قبل مجموعة من المستعربين المسيحيين. علاوة على ذلك، فقد استفاد الطلبة المستعربون الإسبان من المكتبات العامة والخاصة الغنية بمختلف المخطوطات العربية التي لها علاقة وطيدة بالأدب الأندلسي. وبعد ذلك، أنشئت في القرنين التاسع عشر والقرن العشرين وإلى يومنا هذا معاهد ومدارس ومراكز وأقسام للبحث في الأدب الأندلسي، ودراسة حضارة العرب المسلمين بإسبانيا، وذلك في ضوء مقاربات علمية وأكاديمية متنوعة سواء أكانت كلاسيكية أم حداثية.
وكان هذا الاهتمام يتم إجرائياً وعملياً عن طريق تحقيق المخطوطات، وجمع أمهات المصادر، وفهرستها وتجليدها وتصنيفها، ونشر الكتب المحققة وغير المحققة، وطبعها طبعات عامة ليطلع عليها الجميع. كما تم إثراء الأدب الأندلسي وإغناؤه عن طريق نشر المقالات والأبحاث والدراسات في الصحف والمجلات الإسبانية والغربية والعربية والعالمية، أو عبر تدريسه في مؤسسات جامعية ومعاهد إسبانية قد خصصته بكراس علمية عليا، دون أن ننسى المؤتمرات والندوات واللقاءات التي كانت تعنى بالبحث في الأدب الأندلسي شعراً ونثراً وتأريخاً.
أهم المستعربين الذين درسوا الأدب الأندلسي
ثمة مجموعة من المستعربين الإسبان الذين خدموا الأدب الأندلسي بشكل من الأشكال، وذلك عن طريق التحقيق العلمي، وجمع المتون، وفحص النصوص، وكذلك عن طريق التحليل، والدراسة، والترجمة، والمقارنة، والتأريخ، والتحقيب، والنقد، و... . ومن بين هؤلاء المستعربين الإسبان، نستحضر الأسماء التالية:
خوان إي باليرا ( 1824- 1905م)، فرنانديث إي كونزاليث فرانشيسكو
(1833م -؟)، ريبيرا طراجو (1858-1934م)، ميننديث بيدال (1868 ـ ؟)، بونس بويجيس (1861-1899م)، غو نثاليث بالينثيا (1889-1949م)، إميليو غارثيا غوميث (1905 -؟)، فريديريكو كوريينتي (1940م)، مارين مارسكوس (1946م-؟) و ماريا خيسوس روبيرا.
وأما نعت الأوساط الثقافية والأكاديمية والإعلامية في إسبانيا المستعرب والمؤرخ الكبير خوان بيرنيط الذي توفي في برشلونة عن عمر يناهز ثمانياً وثمانين سنة (5/8/2011م)، مذكرة بأبرز إنجازاته في مجال الاستعراب الإسباني الذي كرس له حياته، فترجم وألف، وبحث ودرس، وأسس مدرسة استعرابية تميزت بخصوصيتها في الأوساط الثقافية والفكرية الإسبانية والعالمية. وقد وصفته صحيفة "إلبايس El Pais" الإسبانية بأنه "المستعرب المتكامل أو الشامل" وذلك لاهتمامه بكل ما يتعلق بالثقافة والتاريخ العربيين وخوضه في مجالات الآداب والدين والسياسة والعلوم والترجمة وحتى أنساب العرب.
وقال عنه تلميذه الدكتور خوليو سامسو الذي رافقه قرابة خمسين سنة، وهو مستعرب معروف كذلك خلفه في كرسي الدراسات العربية بجامعة برشلونة: «إن بيرنيط هو المستعرب الإسباني الأكثر تكاملاً في القرن العشرين، لأنه لم يكن مستعرباً إسبانياً تقليدياً، وإنما تناول كل شيء ابتداء من كتابه سيرة نبي الاسلام (ص) وحتى تاريخ الجزائر في القرن التاسع عشر، كما كان ملماً بتطوير العلوم في القرون الوسطى وعصر النهضة.
أما الناقد والإعلامي المعروف "سرجي دوريا" فقد كتب من جهته في صحيفة (ABC) الإسبانية: «إن الدكتور بيرنيط كان عالماً في الدراسات العربية، إنه معلم الاستعراب الإسباني.. لكثرة ما كان يناقش بالقرآن وقيم الإسلام، وجدالاته المعروفة مع أئمة المساجد في برشلونة، ظن البعض أنه مسلم... ».
ومن المعروف كذلك أن خوان بيرنيط يعد واحداً من أفضل من ترجموا القرآن الكريم إلى اللغة الإسبانية، والأكثر رواجاً وإقبالاً من طرف الناطقين بهذه اللغة، وأعيد طبعه مرات عديدة.
في سنة 1992م أصدر كتاباً ضخماً بمشاركة زوجته المستعربة "ليونور مارتينيث مرتين" تحت عنوان "الأندلس: الإسلام في إسبانيا" في كل من مدريد وبرشلونة، والكتاب باللغتين الإسبانية والإنجليزية، يقع في مئتين وخمسين صفحة ويتضمن قسماً خاصاً بأسماء الملوك والسلالات العربية والإسلامية التي حكمت الأندلس، كما ضم باباً يحتوي على العديد من الشروح والتفاسير للصور المدرجة في الكتاب التي فاقت 171 صورة ملونة، تعطي فكرة مسلسلة عن مختلف المراحل التاريخية والحضارية التي عرفها الوجود العربي في الأندلس، وهي مأخوذة من أشهر المراجع والمتاحف والمكتبات العالمية.
ونشر عدد كبير من تراجم العلماء العرب والأندلسيين، يضاف إلى هذه المنجزات ترجمته لكتاب "ألف ليلة وليلة" إلى اللغة الإسبانية، وهي من الترجمات التي لقيت استحساناً كبيراً داخل الأوساط الثقافية والأكاديمية الإسبانية، وإن كان قد سبقه إلى ذلك آخرون إلا أن ترجمته كانت أفضل وأكثر انتشاراً داخل إسبانيا وخارجها، أعيد طبعها مرات عديدة. ثم كتابه الشهير "ما ينبغي أن تعرفه أوروبا عن الإسلام في إسبانيا" الصادر سنة 1974م وهو أهم وأشهر أعماله. وقد ترجم إلى اللغات الفرنسية والألمانية والإنجليزية والبرتغالية والعربية.
المصدر: المجلة العربية